المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٩
سبب للبعض أي الأوّل شرط للثاني كما كان خلق الجسم سببا لخلق العرض إذ لا يخلق العرض قبله، و خلق الحياة شرط الخلق العلم و خلق العلم شرط لخلق الإرادة و الكلّ من أفعال اللّه تعالى و بعضها سبب للبعض أي هي شرط، و معنى كونه شرطا أنّه لا يستعدّ لقبول فعل الحياة إلّا جوهر و لا يستعدّ لقبول العلم إلّا ذو حياة و لا لقبول الإرادة إلّا ذو علم، فيكون بعض أفعاله سببا للبعض بهذا المعنى لا بمعنى أنّ بعض أفعاله موجد لغيره بل ممهّد شرط الحصول لغيره و هذا إذا حقّق ارتقى إلى درجة التوحيد الّذي ذكرناه.
فإن قلت: فلم قال اللّه تعالى: «اعملوا» و إلّا فأنتم معاقبون و مذمومون على العصيان و ما إلينا شيء فكيف نذمّ و إنّما الكلّ إلى اللّه؟ فاعلم أنّ هذا القول من اللّه تعالى سبب لحصول اعتقاد فينا و الاعتقاد سبب لهيجان الخوف و هيجان الخوف سبب لترك الشهوات و التجافي عن دار الغرور و ذلك سبب للوصول إلى جوار اللّه و اللّه تعالى مسبّب الأسباب و هو مرتّبها فمن سبق له في الأزل السعادة يسّر له هذه الأسباب حتّى يقوده بسلسلتها إلى الجنّة و يعبّر عن مثله بأنّ كلاّ ميسّر لما خلق له، و من لم تسبق له من اللّه الحسني بعد عن سماع كلام اللّه و كلام رسوله و كلام العلماء، و إذا لم يسمع لم يعلم، و إذا لم يعلم لم يخف، و إذا لم يخف لم يترك الرّكون إلى الدّنيا، فإذا لم يترك الرّكون إلى الدّنيا بقي في حزب الشيطان و إنّ جهنّم لموعدهم أجمعين، فإذا عرفت هذا تعجّبت من قوم يقادون إلى الجنّة بالسلاسل فما من موفّق إلّا و هو مقود إلى الجنّة بسلاسل الأسباب و هو تسليط العلم و الخوف عليه، و ما من مخذول إلّا و هو مقود إلى النار بالسلاسل و هو تسليط الغفلة و الأمن و الغرور عليه فالمتّقون يساقون إلى الجنّة قهرا و المجرمون يقادون إلى النار قهرا و لا قاهر إلّا اللّه الواحد القهّار و لا قادر إلّا الملك الجبّار، و إذا انكشف الغطاء عن أعين الغافلين فشاهدوا الأمر كذلك سمعوا عند ذلك نداء المنادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» و لقد كان الملك للَّه الواحد القهّار كلّ يوم لا ذلك اليوم على الخصوص، و لكنّ الغافلين لا يسمعون هذا النداء إلّا ذلك اليوم فهو بناء على عمى
المحجة