المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٠
يغلبه» [١] فإذن ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس و عن الشهوة و عن الجاه أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات، و اتّخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام الّتي فصّلناها من قبل، فإنّ تفصيل الآحاد يطول و من راعى التدريج ترقّى به الصبر إلى حالة يشقّ عليه الصبر دونه كما كان يشقّ عليه الصبر معه، فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا، و ما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصر عنه، و هذا لا يعرف إلّا بالتجربة و الذوق، و له نظير في العادات فإنّ الصبيّ يحمل على التعلّم في الابتداء قهرا فيشقّ عليه الصبر عن اللّعب و الصبر مع العلم حتّى إذا انفتحت بصيرته و أنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشقّ عليه الصبر عن العلم و الصبر على اللّعب.
و إلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنّه سأل الشبلي عن الصبر أيّه أشدّ، فقال الصبر في اللّه، فقال: لا، فقال: الصبر للَّه، فقال: لا، قال: الصبر مع اللّه، قال: لا، قال: فأيش؟ قال: الصبر عن اللّه، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف.
و قد قيل في معنى قوله تعالى: «اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا» [٢]: اصبروا في اللّه، و صابروا باللّه، و رابطوا مع اللّه. و قيل: الصبر للَّه غناء و الصبر باللّه بقاء، و الصبر مع اللّه وفاء، و الصبر عن اللّه جفاء. و قد قيل في معناه:
و الصبر عنك فمذموم عواقبه
و الصبر في سائر الأشياء محمود
و قيل أيضا:
الصبر يجمل في المواطن كلّها
إلّا عليك فإنّه لا يجمل
هذا آخر ما أردنا شرحه من علوم الصبر و أسراره.
(الشطر الثاني من الكتاب في الشكر)
و له ثلاثة أركان الرّكن الأوّل في فضيلة الشكر و حقيقته و أقسامه و أحكامه.
[١] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ج ٣ ص ١٩ باختلاف في اللفظ و في صحيح البخاري مثله.
[٢] آل عمران: ٢٠٠.
المحجة