المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٩
الدّنيا و الآخرة جميعا، فالّذين وفّقوا للاستداد[١]على الصراط المستقيم فازوا بالدّنيا و الآخرة جميعا، فإذا عرفت الآن معنى الملك و الرّبوبيّة و معنى التسخير و العبوديّة و مدخل الغلط في ذلك و كيف تعمية الشيطان و تلبيسه فيسهل عليك النزوع عن الملك و الجاه و الإعراض عنه و الصبر عند فواته إذ تصير بتركه ملكا في الحال و ترجو به ملكا في الآخرة و من كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه و أنس به و رسخ فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرّد العلم و الكشف بل لا بدّ و أن يضيف إليه العمل و عمله في ثلاثة أمور: أحدها أن يهرب من موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب، كما يهرب من غلبته الشهوة عن مشاهدة الصور المحركة و من لم يفعل هذا فقد كفر نعمة اللّه تعالى في سعة الأرض إذ قال تعالى: «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» [١]. الثاني أن يكلّف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده فيبدّل التكلّف بالتبذّل و زيّ الحشمة بزيّ التواضع، و كذلك كلّ هيئة و حال و فعل في مسكن و ملبس و مطعم و قيام و قعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه، فينبغي أن يبدّلها بنقائضها حتّى يترسّخ باعتياد ذلك ضدّ ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضدّه، فلا معنى للمعالجة إلّا المضادّة.
الثالث أن يراعى في ذلك التلطّف و التدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذّل فإنّ الطبع نفور و لا يمكن نقله عن أخلاقه إلّا بالتدريج فيترك البعض و يسلّي نفسه بالبعض ثمّ إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض إلى أن يقنع بالبقيّة و هكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات الّتي رسخت فيه، و إلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق و لا تبغّض إلى نفسك عبادة اللّه تعالى فإنّ المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى»[٢]و إليه الإشارة بقوله عليه السّلام: «لا تشادّوا هذا الدّين فإنّ من يشادّه
[١] استد- بالسين المهملة-: استقام.
[٢] أخرجه البزار من حديث جابر كما في الجامع الصغير و قد تقدم. و في الكافي ج ٢ ص ٨٧ مثله. و المنبت من انقطع به في سفره.
[١] النساء: ٩٧.
المحجة