المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٦
يدري متى يقدّر اللّه أسباب المطر إلّا أنّه يثق بفضل اللّه تعالى و رحمته أنّه لا يخلى سنة عن مطر، فكذلك قلّما تخلو سنة و شهر و يوم عن جذبة من الجذبات و نفحة من النّفحات، فينبغي أن يكون العبد قد طهّر أرض القلب من حشيش الشهوات و بذر فيه بذر الإرادة و الإخلاص، و عرضه لمهابّ رياح الرّحمة و كما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الرّبيع و عند ظهور الغيم فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة و عند اجتماع الهمم و تساعد القلوب كما في يوم عرفه و يوم الجمعة و أيّام رمضان فإنّ الهمم و الأنفاس أسباب بحكم تقرير اللّه تعالى لاستدرار رحمته حتّى يستدرّ بها الأمطار في أوقات الاستسقاء و هي لاستدرار أمطار المكاشفات و لطائف المعارف من خزائن الملكوت أشدّ مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء و استجرار الغيوم من أقطار الجبال و البحار، بل الأحوال و المكاشفات حاضرة معك في قلبك و إنّما أنت مشغول عنها بعلائقك و شهواتك فصار ذلك حجابا بينك و بينها فلا تحتاج إلّا أن تنكسر الشهوة و ترفع الحجاب فيشرق أنوار المعارف من باطن القلب، و إظهار ماء الأرض بحفر القني أسهل و أقرب من استرسال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها و لكونه حاضرا في القلب و منسيا بالشغل عنه سمّى اللّه جميع معارف الإيمان تذكّرا فقال: «لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» [١] و قال: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» [٢] فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس و الشواغل و هو آخر درجات الصبر و إنّما الصبر عن العلائق كلّها مقدّم على الصبر عن الخواطر، و أشدّ العلائق على النفس علاقة الخلق و حبّ الجاه، فإنّ لذّة الرّئاسة و الغلبة و الاستعلاء و الاستتباع أغلب اللّذات في الدّنيا على نفوس العقلاء و كيف لا تكون أعلى اللّذات و مطلوبها صفة من صفات اللّه تعالى و الرّبوبيّة مطلوبة و محبوبة بالطبع للقلب بما فيه من المناسبة لأمور الرّبوبيّة و عنه العبارة بقوله تعالى: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [٣] و ليس القلب مذموما على حبّه ذلك و إنّما
[١] ص: ٢٩.
[٢] القمر: ١٧.
[٣] الاسراء: ٨٥.
المحجة