المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٤
لعزيمة الصبر «و أقلّ ما أوتي الناس اليقين و عريمة الصبر». و الثاني أن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتّى يدرك لذّة الظفر بها فيستجري عليها و تقوى منّته في مصارعتها، فإنّ الاعتياد و الممارسة للأعمال الشاقّة يؤكّد القوى الّتي تصدر منها تلك الأعمال و لذلك تزيد قوّة الحمّالين و الفلاّحين و المقاتلين و بالجملة الممارسين للأعمال الشاقّة على قوّة الخيّاطين و العطّارين و الفقهاء و الصالحين، و ذلك لأنّ قواهم لم تتأكّد بالممارسة، فالعلاج الأوّل يضاهي أطماع المصارع في الخلعة عند الغلبة و وعده بأنواع الكرامة كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إيّاهم بموسى حيث قال: «وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» و الثاني يضاهي تعويد الصبي الّذي يراد منه المصارعة و المقاتلة مباشرة أسباب ذلك منذ الصبي حتّى يأنس به و يستجري عليه و يقوى فيه منّته، فمن ترك بالكلّية المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدّين و لا يقوى على الشهوة و إن ضعفت و من عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد، فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر و لا يمكن استيفاؤه و إنّما أشدّها كفّ الباطن عن حديث النفس، و إنّما يشتدّ ذلك على من تفرّغ له بأنّ قمع الشهوات الظاهرة و آثر العزلة و جلس للمراقبة و الذّكر و الفكر، فإنّ الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب و هذا لا علاج له البتّة إلّا قطع العلائق كلّها ظاهرا و باطنا بالفرار عن الأهل و الولد و المال و الجاه و الرّفقاء و الأصدقاء، ثمّ الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قد يسير من القوت و بعد القناعة به ثمّ كلّ ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم همّا واحدا و هو اللّه تعالى ثمّ إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك ما لم يكن فيه مجال في الفكر و سير بالباطن في ملكوت السماوات و الأرض و عجائب صنع اللّه و سائر أبواب معرفة اللّه حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك محادثة الشيطان و وسواسه، و إن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلّا الأوراد المتواصلة المترتّبة في كلّ لحظة من القراءة و الأذكار و الصلوات و يحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور فإنّ التفكّر بالباطن هو الّذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة، ثمّ إذا فعل كلّ ذلك لم يسلم له من الأوقات إلّا بعضها إذ لا يخلو
المحجة