المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٣
الصور المشتهاة و الفرار منها بالكلّية، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس» [١] و هذا سهم يسدّده الملعون و لا ترس يمنع منه إلّا تغميض الأجفان أو الهرب من صوب رميه فإنّه إنّما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا انتقلت عن صوب الصور لم يصبك سهمه، الثالث تسلية النفس بالمباح من الجنس الّذي يشتهيه و ذلك بالنكاح فإنّ كلّ ما يشتهيه الطبع ففي المباحات ما يغني عن المحظورات منه و هذا هو العلاج الأنفع في حقّ الأكثر، فإنّ قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال ثمّ قد لا يقمع الشهوة في حقّ أكثر الرّجال و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«عليكم بالباه فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّ الصوم له و جاء» [٢] فهذه ثلاثة أسباب فالعلاج الأوّل و هو قطع الطعام يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح و عن الكلب الضاري ليضعف فيسقط قوّته، و الثاني يضاهي تغييب اللّحم عن الكلب و تغييب الشعير عن البهيمة حتّى لا يتحرّك بواطنها بسبب مشاهدتها، و الثالث يضاهي تسليتها بشيء قليل ممّا يميل إليه طبعها حتّى يبقى معها من القوّة ما تصبر على التأديب.
و أمّا تقوية باعث الدّين فإنّما تكون بطريقين: أحدهما في إطماعه في فوائد المجاهدة و ثمراتها في الدّين و الدّنيا و ذلك بأن يكثر فكره في الأخبار الّتي أوردناها في فضل الصبر و في حسن عواقبه في الدّنيا و الآخرة، و في الأثر: أنّ ثواب الصبر على المصيبة أكثر ممّا فات. و إنّه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلّا مدّة الحياة و حصل له ما يبقى بعد موته أبد الدّهر، و من أسلم خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال و هذا باب المعارف، و هو من الإيمان فتارة يضعف و تارة يقوى، فإن قوي قوي باعث الدّين و هيّجه تهييجا شديدا و إن ضعف ضعف، و إنّما قوّة الإيمان يعبّر عنها باليقين و هو المحرّك
[١] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٤ ص ٣١٤ و تقدم كرارا في كتاب النكاح و غيره.
[٢] أخرجه مسلم ج ٤ ص ١٢٨ و البخاري ج ٧ ص ٣ و النسائي ج ٦ ص ٥٧ كلهم من حديث ابن مسعود و قد تقدم.
المحجة