المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٢
في نفس الشابّ للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار، و كما لا يبقى النار إذا لم يبق لها قوت و هو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذ لم تكن شهوة فإذن إذا تأمّلت علمت أن أعدى عدوّ لك شهواتك و هي صفة نفسك الّتي إن لم تشغلها شغلتك، فإذن حقيقة الصبر و كماله الصبر عن كلّ حركة مذمومة، و حركة الباطن أولى بالصبر عنها و هذا صبر دائم لا يقطعه إلّا الموت.
(بيان دواء الصبر و ما يستعان به عليه)
اعلم أنّ الّذي أنزل الدّاء أنزل الدّواء و وعد الشفاء، فالصبر و إن كان شاقّا أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم و العلم، فالعلم و العمل هما الاخلاط الّتي منها تركب الأدوية لأمراض القلوب كلّها و لكن يحتاج كلّ مرض إلى علم آخر و عمل آخر، و كما أنّ أقسام الصبر مختلفة فأقسام العلل المانعة منها مختلفة، و إذا اختلفت العلل اختلف العلاج، إذ معنى العلاج مضادّة العلّة و قمعها و استيفاء ذلك ممّا يطول و لكنّا نعرّف الطريق في بعض الأمثلة فنقول: إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلا فقد غلبت عليه بحيث ليس يملك معها فرجه أو يملك فرجه و لكن ليس يملك عينه أو يملك عينه و لكن ليس يملك قلبه و نفسه إذ لا تزال تحدّثه بمقتضيات الشهوة و يصرفه ذلك عن المواظبة على الذّكر و الفكر و الأعمال الصالحة، فنقول: قد قدّمنا أنّ الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدّين مع باعث الهوى و كلّ متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر فلا طريق لنا فيه إلّا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا و تضعيف الآخر، فلزمنا هاهنا تقوية باعث الدّين و تضعيف باعث الشهوة فأمّا باعث الشهوة فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور أحدها أن تنظر إلى مادّة قوتها فهي الأغذية الطيّبة المحرّكة للشهوة من حيث نوعها و من حيث كثرتها فلا بدّ من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصار عند الإفطار على طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه فيحترز عن اللّحم و الأطعمة المهيّجة للشهوة، و الثاني قطع أسبابه المهيّجة له في الحال فإنّه إنّما يهيّج بالنظر إلى مظانّ الشهوة إذ النظر يحرّك القلب و القلب يحرّك الشهوة و هذا يحصل بالعزلة و الاحتراز عن مظانّ وقوع البصر على
المحجة