المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣١
سجود منه فهو روح السجود و إنّما وضع الجبهة على الأرض قالبه، و علامته الدالّة عليه بالاصطلاح و لو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح لتصوّر ذلك كما أنّ الانبطاح بين يدي المعظّم المحترم يرى استخفافا بالعادة، فلا ينبغي أن يدهشك صدف الجوهر عن الجوهر و قالب الرّوح عن الرّوح و قشر اللّب عن اللّب، فتكون ممّن قيّده عالم الشهادة بالكلّيّة عن عالم الغيب و تحقّق أنّ الشيطان من المنظرين فلا يتواضع لك بالكفّ عن الوسواس إلى يوم الدّين إلّا أن تصبح و همومك همّ واحد، فيشتغل قلبك باللّه وحده فلا يجد الملعون مجالا فيك فعند ذلك تكون من عباد اللّه المخلصين الدّاخلين في الاستثناء من سلطنة هذا اللّعين و لا تظننّ أنّه يخلو عنه قلب فارغ، بل هو سيّال يجري من ابن آدم مجرى الدّم و سيلانه مثل الهواء في القدح فإنّك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة، فكذلك القلب المشغول بفكر مهمّ في الدّين يخلو عن جولان الشياطين و إلّا فمن غفل عن اللّه و لو في لحظة فليس له في تلك اللّحظة قرين إلّا الشيطان، و لذلك قال تعالى: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه يبغض الشابّ الفارغ»[١]و هذا لأنّ الشابّ إذا تعطّل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا و لم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان و يبيض و يفرخ ثمّ يزدوج أفراخه أيضا و يبيض مرّة أخرى و يفرخ و هكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأنّ طبعه من النار، و إذا وجد الحلفاء اليابسة كثر تولّده فلا يزال تتوالد النار من النار و لا ينقطع البتة، بل يسري شيئا فشيئا على الاتّصال. فالشهوة
[١] قال العراقي: لم أجده. أقول: رواه الكليني في الكافي ج ٥ ص ٨٤ من حديث موسى بن جعفر عليهما السّلام هكذا «ان اللّه يبغض العبد النوام الفارغ».
[١] الزخرف: ٣٦.
المحجة