المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٠
يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكّر في نعمة اللّه تعالى عليه بالثواب نال درجة الصّابرين، نعم من كمال الصبر كتمان المرض و الفقر و سائر المصائب، و قد قيل: من كنوز البرّ كتمان المصائب و الأوجاع و الصّدقة، فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أنّ وجوب الصبر عامّ في جميع الأحوال و الأفعال فإنّ الّذي كفى الشهوات كلّها و اعتزل وحده فلا يستغني عن الصبر على العزلة و الانفراد ظاهرا و عن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا، فإنّ اختلاج الخواطر لا يسكن، فأكثر جولان الخاطر إنّما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بدّ و أن يحصل منه ما هو مقدّر فهو كيف ما كان تضييع زمان، و آلة العبد قلبه و بضاعته عمره، فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به انسا باللّه أو عن فكر يستفيد معرفة باللّه ليستفيد بالمعرفة محبّة اللّه فهو مغبون، هذا إن كان فكره و وسواسه في المباحات مقصورا عليه و لا يكون ذلك غالبا بل يتفكّر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات إذ لا يزال ينازع كلّ من تحرّك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من يتوهّم به أنّه ينازعه و يخالف غرضه بظهور أمارة له منه بل يقدّر المخالفة من أخلص الناس في حبّه حتّى في أهله و ولده، و يتوهّم مخالفتهم له، ثمّ يتفكّر في كيفيّة زجرهم و كيفيّة قهرهم، و جوابهم عمّا يتعلّلون به في مخالفته و لا يزال في شغل دائم، فللشيطان جندان جند يطير و جند يسير و الوسواس عبارة عن حركة جنده الطيّار، و الشهوة عبارة عن حركة جنده السيّار، و هذا لأنّ الشيطان خلق من النار، و خلق الإنسان من صلصال كالفخّار، و الفخّار قد اجتمع فيه مع النار الطين، و الطين طبعه السكون. و النار طبعها الحركة، فلا يتصوّر نار مشتعلة لا تتحرّك، بل لا تزال تتحرّك بطبعها و قد كلّف الملعون المخلوق من النار أن يطمئنّ عن حركته، ساجدا لما خلق من الطين فأبى و استكبر و استعصى، و عبّر عن سبب استعصائه بأن قال: «خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»* فإذن حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات اللّه عليه فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده، و مهما كفّ عن القلب وسواسه و عدوانه و طيرانه و جولانه فقد أظهر انقياده و إذعانه و انقياده بالإذعان
المحجة