المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٩
و محلّه عند اللّه محلّ من يقهر مسلما و يسلّمه إلى الكفّار و يجعله أسيرا عندهم، لأنّه بفاحش جنايته يشبه أنّه سخّر ما كان حقّه أن يستسخر، و سلّط من حقّه أن يتسلّط عليه، و إنّما استحقّ المسلم أن يكون متسلّطا لما فيه من معرفة الدّين و باعث الدّين، و إنّما استحقّ الكافر أن يكون متسلّطا عليه لما فيه من الجهل بالدّين و باعث الشياطين و حقّ المسلم على نفسه أوجب من حقّ غيره عليه، فمهما سخّر المعنى الشريف الّذي هو من حزب اللّه و جند الملائكة للمعنى الخسيس الّذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن اللّه كان كمن أرقّ مسلما لكافر، بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه فأخذ أعزّ أولاده و سلّمه إلى بعض أعدائه فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته و استيجابه لنقمته لأنّ الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند اللّه و العقل أعزّ موجود خلق في الأرض.
الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين،
فتارة له اليد عليها، و تارة لها عليه و هذا من المجاهدين يعدّ مثله لا من الظافرين. و أهل هذه الحالة هم الّذين «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» هذا باعتبار القوّة و الضعف، و يتطرّق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه فإنّه إمّا أن يغلب جميع الشهوات، أو لا يغلب شيئا منها، أو يغلب بعضها دون بعض، و تنزيل قوله تعالى: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» [١] على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى، و التاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضلّ، إذ البهيمة لم يخلق لها المعرفة و القدرة الّتي بهما يجاهد مقتضى الشهوات و هذا قد خلق له و عطّله فهو الناقص حقّا المدبر يقينا و لذلك قيل:
و لم أر في عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين على التمام
و ينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر و العسر إلى ما يشقّ على النفس فلا يمكن الدّوام عليه إلّا بجهد جهيد و تعب شديد، و يسمّى ذلك تصبّرا، و إلى ما يكون من غير شدّة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس، و يخصّ ذلك باسم الصبر،
[١] التوبة: ١٠٢.
المحجة