المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٣
حواسّك فقد انكدرت النجوم انكدارا، فإذا انشق دماغك فقد انشقّت السّماء انشقاقا، فإذا انفجر من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيرا، فإذا التفّت إحدى ساقيك بالاخرى و هما مطيّتاك فقد عطّلت العشار تعطيلا، فإذا فارق الرّوح الجسد فقد حملت الأرض فمدّت حتّى ألقت ما فيها و تخلّت، و لست أطول بموازنة جميع الأحوال و الأهوال و لكنّي أقول: بمجرّد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى و لا يفوتك من القيامة الكبرى شيء ممّا يخصّك بل ما يخصّ غيرك، فإنّ بقاء الكواكب في حقّ غيرك ما ذا ينفعك، و قد انتثرت حواسّك الّتي بها تنتفع بالكواكب و الأعمى يستوي عنده اللّيل و النّهار و كسوف الشمس و انجلاؤها لأنّه قد كسفت في حقّه دفعة واحدة و هي حصّته منها فالانجلاء بعد ذلك حصّة غيره، و من انشقّ رأسه فقد انشقت سماؤه، إذ السماء عبارة عمّا يلي جهة الرّأس، فمن لا رأس له لا سماء له، فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره فهذه هي القيامة الصغرى، و الخوف بعد أسفل و الهول بعد مدّخر، و ذلك إذا جاءت الطّامة الكبرى و ارتفع الخصوص و بطلت السماوات و الأرض و نسفت الجبال و تمّت الأهوال.
و اعلم أنّ هذه الصّغرى و إن طوّلنا في وصفها فإنّا لم نذكر عشر عشير أوصافها فهي بالنّسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصّغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى فإنّ للإنسان ولادتين إحداهما الخروج من الصّلب و الترائب إلى مستودع الأرحام و هو في الرّحم في قرار مكين إلى قدر معلوم و له في سلوكه إلى الكمال منازل و أطوار من نطفة و علقة و مضغة و غيرها إلى أن يخرج من مضيق الرّحم إلى فضاء العالم فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرّحم و نسبة سعة العالم الّذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدّنيا كنسبة فضاء الدّنيا أيضا إلى الرّحم بل أوسع و أعظم، فقس الآخرة بالاولى «ف ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» و ما النشأة الثانية إلّا على قياس النشأة الأولى، بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين و إليه الإشارة بقوله تعالى:
المحجة