المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٠
فإنّهم جرّدوا للشوق إلى الحضرة الرّبوبيّة و الابتهاج بدرجة القرب منها، و لم تسلّط عليهم شهوة صارفة صادّة عنها حتّى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف، و أمّا الإنسان فإنّه خلق في ابتداء الصبي ناقصا مثل البهيمة لم يخلق فيه إلّا شهوة الغذاء الّذي هو محتاج إليه، ثمّ تظهر فيه شهوة اللّعب و الزينة، ثمّ شهوة النكاح على الترتيب و ليس له قوّة الصبر البتّة إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضادّ مقتضاهما و مطالبهما و ليس في الصبيّ إلّا جند الهوى كما في البهائم و لكنّ اللّه تعالى بفضله و سعة جوده أكرم بني آدم و رفع درجتهم عن درجة البهائم فوكّل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين أحدهما يهديه و الآخر يقويه فتميّز بمعونة الملكين عن البهائم و اختصّ بصفتين إحداهما معرفة اللّه تعالى و معرفة رسوله و معرفة المصالح المتعلّقة بالعواقب، و كلّ ذلك حاصل من الملك الّذي إليه الهداية و التعريف، فالبهيمة لا معرفة لها و لا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط، فلذلك لا تطلب إلّا اللّذيذ فأمّا الدّواء النافع مع كونه مضرّا في الحال فلا تطلبه و لا تعرفه، فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أنّ اتّباع الشهوات له مغبّات مكروهة في العاقبة و لكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضرّ، فكم من مضرّ يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا و لكن لا قدرة له على دفعه فافتقر إلى قدرة و قوّة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوّة حتّى يقطع عدوانها عن نفسه فوكّل اللّه تعالى به ملكا آخر يسدّده و يؤيّده و يقوّيه بجنود لم تروها و أمر هذا الجند بقتال جنود الشهوة فتارة يضعف هذا الجند بقتال جنود الشهوة، و تارة يقوى و ذلك بحسب إمداد اللّه عبده بالتأييد كما أنّ نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا ينحصر فلنسمّ هذه الصفة الّتي بها فارق الإنسان البهائم- في قمع الشهوات و قهرها- باعثا دينيا، و لنسمّ مطالبة الشهوات بمقتضياتها باعث الهوى و ليفهم أنّ القتال قائم بين باعث الدّين و باعث الهوى و الحرب بينهما سجال، و معركة هذا القتال قلب العبد، و مدد باعث الدّين من الملائكة الناصرين
المحجة