المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠
ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر و ضاع في سخط اللّه، فإن قلت: تألّم القلب أمر ضروريّ لا يدخل تحت الاختيار فكيف يوصف بالوجوب؟
فاعلم أنّ سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب و له سبيل إلى تحصيل سببه، و لمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب، لا بمعنى أنّ العلم يخلقه العبد و يحدثه في نفسه فإنّ ذلك محال بل العلم و الندم و الفعل و الإرادة و القدرة و القادر، الكلّ من خلق اللّه و فعله «ف اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» هذا هو الحقّ عند ذوي البصائر و ما سوى هذا ضلال، فإن قلت: أ فليس للعبد اختيار في الفعل و الترك؟ قلنا: نعم و ذلك لا يناقض قولنا إنّ الكلّ من خلق اللّه بل الاختيار أيضا من خلق اللّه و العبد مضطرّ في الاختيار الّذي له فإنّ اللّه إذا خلق اليد الصحيحة و خلق الطعام اللّذيذ و خلق الشهوة للطعام في المعدة و خلق العلم في القلب بأنّ هذا الطعام مسكّن للشهوة و خلق الخواطر المتعارضة في أنّ هذا الطعام هل فيه مضرّة مع أنه يسكّن الشهوة و هل دون تناوله مانع يتعذّر معه تناوله أم لا، ثمّ خلق العلم بأنّه لا مانع، فعند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الإرادة الباعثة على التناول فانجزام الإرادة بعد تردّد الخواطر المتعارضة و بعد قوّة الشهوة للطعام يسمّى اختيارا و لا بدّ من حصوله عند تمام أسبابه فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق اللّه إيّاها تحرّكت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام لا محالة إذ بعد تمام الإرادة و القدرة يكون حصول الفعل ضروريّا فتحصل الحركة فتكون الحركة بخلق اللّه بعد حصول القدرة و انجزام الإرادة و هما أيضا من خلق اللّه و انجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة و العلم بعدم الموانع، و هما أيضا من خلق اللّه و لكن بعض هذه المخلوقات يترتّب على البعض ترتيبا جرت به سنّة اللّه في خلقه و لن تجد لسنّة اللّه تبديلا، فلا يخلق اللّه حركة اليد بكتابة منظومة ما لم يخلق فيها صفة تسمّى قدرة و ما لم يخلق فيها حياة و ما لم يخلق إرادة مجزومة و لا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة و ميلا في النفس، و لا ينبعث هذا الميل انبعاثا تامّا ما لم يخلق علما بأنّه موافق للنفس إمّا في الحال و إمّا في المآل و لا يخلق العلم أيضا إلّا بأسباب أخر ترجع إلى حركة و إرادة و علم فالعلم و الميل الطبيعي أبدا يستتبع
المحجة