الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٢
اخرى، وهي: التركيز على جانب أنّ الإحسان من الامور الفطريّة، والإنسان بفطرته يدرك حسنه، ويدرك أن لا يكافأ المحسن إلّا بالإحسان، ويدرك أنّ الإساءة إليه أمر قبيح؛ وذلك لأجل أنّه يرى المحسن منعماً، وشكر المنعم ثابت بالفطرة، ومن البديهي أنّ تغريم المحسن وتضمينه فيما أحسن كفران لما أنعم عليه [١]، وإساءة إليه فيكون قبيحاً عقلًا.
وهذا الاستدلال غير تام؛ لأنّه وقع فيه الخلط بين حسن الإحسان واستحقاق المدح والثناء وقبح الإساءة في مقابله، وبين عدم الضمان لما أتلفه المحسن بفعله، فإنّه لا منافاة بين الأمرين في نظر العقل أصلًا، ولا يعتبر ذلك إساءةً من قبل المحسَن إليه، خصوصاً وأنّ الحكم بالضمان إنّما يكون من قبل الشارع بمقتضى عموم قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، والشارع باعتباره مولى المحسِن والمحسَن له يحقّ له جعل الضمان، فالاستدلال بحكم العقل في مثل هذه الأحكام الشرعيّة الوضعيّة في غير محلّه.
نعم يمكن إرجاع الدليل العقلي إلى الدليل العقلائي، بدعوى انعقاد سيرة العقلاء وبنائهم على نفي الضمان عن المحسن في حدود ما لا بدّ وأن يحصل بسبب الإحسان. وهذه السيرة لم يرد ردع عنها، بل قد يقال: إنّها سيرة المتشرّعة أيضاً، فتكون كاشفة ابتداءً عن الحكم الشرعي. إلّا أنّه لا بدّ وأن يقتصر في حجّيته على القدر المتيقّن، فكلّما شكّ في الضمان وعدمه في مورد من موارد الإحسان أو لجهة من الجهات لم يمكن التمسّك بهذا الدليل لنفي الضمان فيه، بل يكون مقتضى قاعدة الإتلاف ثبوت الضمان، بل عدم جواز التصرّف المتلِف تكليفاً أيضاً.
الثالث: الإجماع، فقد ادّعي على ثبوت هذه القاعدة، كما يظهر من تتبّع كلماتهم وفتاويهم، فإنّهم يستدلّون بها في موارد كثيرة [٢]، فتراهم يسندون عدم الضمان إليها في كتب الأمانات واللقطة والضالّة
[١] انظر: القواعد الفقهيّة (البجنوردي) ٤: ١٢. القواعد الفقهيّة (اللنكراني) ١: ٢٩١.
[٢] القواعد الفقهيّة (البجنوردي) ٤: ١٣. القواعد الفقهيّة (اللنكراني) ١: ٢٩٢.