الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣١٤
غصب مكاناً من المسجد سبق إليه غيره بأن أزاله وجلس فيه فالأقوى بطلان ......
-
اعتكافه» [١]).
لكن بعض الفقهاء تنظّر في ذلك أو ردّه.
قال المحقّق النجفي بعد إيراده كلام استاذه كاشف الغطاء: «لكن أكثره لا يخلو من نظر حتّى الفرق بين اللباس والمحمول وغيرهما في الأوّل» [٢]).
وقال أيضاً: «ولو غصب مكاناً في المسجد بأن دفع من سبق إليه أو جلس فيه ولغيره علامة اختصاص به فالأقوى عدم بطلان الاعتكاف» [٣]).
وتبعه في ذلك أكثر فقهائنا المعاصرين خلافاً للسيد اليزدي [٤]؛ ولعلّ ذلك لعدم امتداد حقّه في الاختصاص بالمكان إلى ما بعد الإزاحة ليجتمع مع العبادة ويقتضي بطلانها، أو لكونه لا يقتضي ملك التصرّف في المكان ليتحقّق الغصب، أو لأنّ الاعتكاف لا يتضمّن القرار وإن استلزمه خارجاً [٥]).
[١] العروة الوثقى ٣: ٦٨٧، م ٣٢.
[٢] جواهر الكلام ١٧: ١٨٨.
[٣] نجاة العباد: ١٨٨.
[٤] العروة الوثقى ٣: ٦٨٧- ٦٨٨، م ٣٢ وبهامشها تعليقات مراجع العصر.
[٥] قال المحقّق العراقي (العروة الوثقى ٣: ٦٨٨، ذيل
م ٣٢): «في بطلان اعتكافه نظر، بل منع؛ إذ السبق إنّما يقتضي الأحقّيّة للسابق ما دام فيه على وجه يحرم مزاحمته بإخراجه، وليس له إطلاق يشمل حال خروجه، ولو بإجبار، وليس المراد من الأحقّيّة للسابق صيرورته ذا حقّ في المحلّ مطلقاً مانع عن سلطنة الغير، كيف؟! وظاهره كونه في مقام صرف ترجيح السابق على غيره في ما كان لهما- بالنسبة إلى المحلّ- جهة ربط من السلطنة على تملّك المنفعة أو الانتفاع، ومثل هذه السلطنة غير الحقّ المعروف كما لا يخفى، ولذا ليس بإسقاطي، فتسويته مانع [من] إطلاق دليله. وتوهّم أنّ منع الإطلاق غير كافٍ لإثبات الجواز، بل الاستصحاب يمنعه، مدفوع بأنّه كذلك لو لا إطلاق دليل سلطنة كلّ أحد في الانتفاع بهذه المحالّ في نفسه ما لم يثبت الترجيح لأحد فيه كما هو ظاهر».
قال السيد الحكيم بعد تعرّضه للأدلّة التي يمكن إقامتها على ثبوت حقّ السبق وسوقه حديثين لذلك (مستمسك العروة ٨: ٥٧٤): «ويمكن أن يستشكل فيه [/ الاستدلال] أوّلًا: من جهة ضعف الأوّل بالإرسال، والثاني بطلحة. وثانياً: بأنّ الظاهر من الأحقّيّة في المقام- بقرينة صيغة التفضيل- مجرّد الأولويّة لا خصوصيّة في المكان كما في سائر موارد الحقوق، بحيث يكون السابق يملك التصرّف فيما سبق إليه، والمزاحم له فيه غاصب له في ذلك. وثالثاً: بأنّ الاعتكاف عبارة عن مجرّد الكون في المسجد ولو بلا قرار، فلا يتّحد مع القرار كي يحرم بحرمته، وغصب المكان إنّما يحرّم القرار لا غير».
وقال السيد الخوئي (مستند العروة (الصوم) ٢: ٤٢٤- ٤٢٥): «يبتني ما ذكره [السيد اليزدي قدس سره]] Y على أنّ السابق في المسجد الشاغل للمكان ذو حقّ بالإضافة إليه بحيث لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذنه كما في الأملاك؛ فإنّه وإن لم يكن ملكاً له، إلّا أنّه متعلّق لحقّ الاختصاص. فعلى هذا يكون التصرّف والمكث بغير الإذن محرّماً فيبطل الاعتكاف؛ إذ لا يقع الحرام مصداقاً للواجب، فهو مفوّت لجزء من الاعتكاف بإشغال المكان. وأمّا لو قلنا إنّه لا يستفاد من الأدلّة ثبوت الحقّ بهذا المعنى كي لا يجوز التصرّف بغير الإذن، وإنّما الثابت عدم جواز مزاحمته؛ لكونه أحقّ وأولى، فلا تجوز إزالته عن المكان ومنعه عن الاستفادة، وأمّا بعد الإزالة وارتكاب المعصية
فالمكان باقٍ على الإباحة للجميع من غير حاجة إلى الإذن، فلا يكون المكث محرّماً، ولا الصلاة أو الاعتكاف باطلًا، فهذا هو منشأ الكلام في بطلان الاعتكاف في المقام وعدمه».
ثمّ تعرّض للأدلّة الدالّة على حقّ الشخص بالسبق إلى المكان ومناقشتها وتصحيح ما يصحّ منها، وقال أيضاً (مستند العروة، الصوم ٢: ٤٢٨): «إنّما الكلام في المراد بالأحقّيّة، فهل معناها أنّ هذا المكان يعامل معه معاملة الملك في أنّه لا يجوز التصرّف فيه إلّا بالإذن، أو أنّ المراد عدم جواز المزاحمة والمنع عن الاستفادة، وأنّ السابق أولى وأحقّ بأن يستفيد؟ لا ريب أنّ المعنى الأوّل يحتاج إلى مئونة زائدة وقرينة واضحة بعد أن كان المكان وقفاً للجميع من غير خصوصيّة لأحدٍ، فإنّ التخصيص بواحدٍ بلا مقتضٍ ما لم يدلّ عليه دليل قاطع. وبالجملة: القدر المتيقن ممّا يستفاد من الأحقّيّة هو عدم جواز المزاحمة والإزالة عن المكان. وأمّا بعد الإزالة وارتكاب المعصية، فلا تعرّض في الرواية لجهة تصرّفه أو تصرّف غيره فيه، فلو أزال أحداً عن المكان ثمّ جلس فيه شخص ثالث أ فهل يحتمل بطلان تصرّفه؛ لكونه في حكم الملك للسابق يتوقف على إذنه؟ لا يقول بذلك أحد قطعاً، فإنّه لو تمّ فهو خاصٌّ بالمزاحم. وبالجملة: فلا دليل على حرمة المكث، بل المكان باقٍ على وقفيّته الأصليّة ... وكيفما كان، فاستفادة ثبوت الحقّ للشاغل السابق بحيث يتوقّف التصرّف لغيره على الإذن أو رفع اليد مشكلة جدّاً، ولا أقلّ من الإجمال، والقدر المتيقّن عدم جواز المزاحمة حسبما عرفت».