الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٣٣
في متعلّق الحكم، كالقراءة والذكر في الصلاة، والتلبية في الحجّ- فمع العجز عن التلفّظ- يقوم تحريك اللسان مقامه مضافاً إلى الإشارة، على ما سيأتي مزيد توضيح له.
وأمّا ما اخذ ليكون أداة للتعبير عن المعاني وسبيلًا لتفهيم المقاصد والأغراض كاللفظ المستعمل في المعاملات المختلفة من بيع وإجارة ونحوهما، فتستوي فيه كلّ وسيلة تؤدّي الغرض المذكور كالإشارة المفهمة مثلًا. وحينئذٍ لا حاجة إلى تحريك اللسان؛ لأنّه إنّما يجب مراعاةً لموضوعيّة اللفظ، فمع انتفائها لا وجه لإيجابه.
وقد يقال: بأنّ لازم ذلك كفاية الإشارة المفهمة في ذلك وإن صدرت من القادر على النطق؛ إذ المفروض أنّ اللفظ مأخوذ على سبيل الطريقيّة في هذه الموارد، لا على سبيل الموضوعيّة، والإشارة طريق يحصل به الغرض المقصود. مع أنّ بناء الفقهاء على عدم اعتبارهم الإشارة منه.
والجواب: ما تقدّم من أنّ درجة من وضوح الدلالة وعرفيّتها وتعارفها قد تكون مأخوذة بنحو الموضوعيّة في ترتّب الأثر، وهي في حقّ القادر على النطق تكون باللفظ والعبارة، بخلاف من لا يتمكّن منه فإنّها تكون منه بالإشارة [١]).
[١] قال السيد المراغي (العناوين ٢: ١٣٦- ١٣٨): «هل يشترط في الأخرس لوك اللسان في جميع المقامات أم لا؟ ظاهر النصّ الوارد في كتاب الصلاة في القراءة اعتباره، ويدلّ عليه أيضاً قاعدة الميسور؛ فإنّ اللازم على الأخرس تحريك اللسان والتكلّم بالألفاظ الخاصّة، فإذا سقط الثاني للتعذّر، فيبقى الأوّل بحاله، ولا يفترق الحال بين التكاليف والوضعيّات في ذلك. ويجيء احتمال عدم القول بالفرق بين الصلاة وغيرها، مضافاً إلى أنّ الأصل عدم تحقّق الأثر إلّا بسبب متيقّن، والإشارة مع لوك اللسان متيقّنة في التأثير دون ما عداها فيبقى في حكم الأصل. ويمكن أن يقال: إنّ ظاهر الفتوى في العقود والإيقاعات كون إشارته كالقول، ولم يشترطوا لوك اللسان، وقاعدة الميسور إنّما تأتي في المركّبات الخارجيّة دون العقليّة، وما نحن فيه من الثانية دون الاولى، وعدم القول بالفرق ممنوع؛ إذ ظاهر إطلاق الأصحاب عدم اشتراطه في الأسباب وإن اشترطوه في الصلاة للنصّ. والذي يقوى في النظر: أنّ إشارة الأخرس نازلة منزلة الكلام، ولا عبرة بلوك اللسان أصلًا. نعم، قام الدليل عليه في الصلاة، وهو ليس من أجزاء الإشارة، ولا من مقوّماتها، بل هو تكليف آخر. نعم، لو كان المعتاد في الإشارة لوك اللسان بحيث انّ الأخرس إذا أراد تفهيم معنى يلوك لسانه بحيث انّه لولاه لا يعتمد أنّه أراد هذا المعنى فلا بدّ من تحقّقه، بخلاف ما لو لم يكن له مدخليّة. وربّما تبنى المسألة على أنّ إشارة الأخرس هل هي إشارة إلى الألفاظ أو إلى نفس المعنى؟] Y فعلى الأوّل يعتبر لوك اللسان؛ إذ غاية ما قام الدليل عليه هو قيام الإشارة مقام دلالة الصوت وتقطيع الحروف، وأمّا قيامها مقام حركات اللسان فلا. وعلى الثاني لا يعتبر؛ لأنّ السبب إنّما هو المعنى وقد اعتبر اللفظ للكشف عنه. والإشارة في الأخرس كاشفة عن ذلك، فلا ربط لتحريك اللسان؛ لأنّه مقدّمة للّفظ، وحيث لا لفظ فلا وجه للتحريك، وذلك نظير تحريك الرجلين في السفينة لمن نذر المشي في الطريق، مع أنّه لو لزم ذلك للزم إظهار الصوت أيضاً؛ لأنّه أيضاً لا بدل له وهو مقدور. ومن هنا يمكن أن يقال بالفرق بين العبادات والمعاملات؛ إذ العبرة في العبادات بنفس الألفاظ تعبّداً؛ إذ لا ريب في عدمِ جوازِ إفادةِ ذلك المعنى بلفظٍ آخر. وبالجملة: لخصوصيّة الألفاظ فيها مدخليّة وإن كان المعنى أيضاً مطلوباً في الجملة، أو كاللفظ في بعض المقامات. وأمّا المعاملات فالعبرة فيها بالمعاني؛ ولذلك لا يصحّ مع عدم العلم بمعنى اللفظ، أو مع عدم قصد الإنشاء ونحو ذلك، والألفاظ قد اعتبرت فيها للكشف. فاللازم على الأخرس لوك اللسان في العبادة مع الإشارة لئلّا يصير أجنبيّاً عن عالم اللفظ بالمرّة. وأمّا المعاملات فيكفي فيها الإشارة الدالّة على المدّعى؛ لأنّ كشف الإشارة قائم مقام كشف اللفظ. ولا خصوصيّة للوك اللسان. وهذا الوجه عندي غير بعيد».