الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٤٢٦
«طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ويعتزلها» [١]). ومثلها ما عن أبي بصير [٢] أيضاً.
وعن أبان بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن طلاق الخُرس؟ قال: «يلفّ قناعها على رأسها ويجذبه» [٣]).
لكنّ هذه الروايات تعارض رواية البزنطي التي ورد فيها: أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلّم؟ قال: «أخرس هو؟» قلت: نعم، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أ يجوز أن يطلّق عنه وليّه؟
قال: «لا، ولكن يكتب، ويُشهد على ذلك»، قلت: أصلحك الله، فإنّه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلّقها؟ قال: «بالذي يُعرف به من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها» [٤]).
ورواية يونس: في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال: «إذا فعل في قبل الطهر بشهود وفهم عنه كما يفهم عن مثله ويريد الطلاق جاز طلاقه على السنّة» [٥]).
فإنّهما صريحتان في كفاية كلّ إشارة وكتابة مفهمة تدلّان على الطلاق، وعدم اختصاص الطلاق بإلقاء المقنعة على رأس الزوجة.
وبهما أفتى مشهور الفقهاء، حملًا للروايات الاولى على المثال أو على من لم تكن له إشارة مفهمة.
وربّما حاول البعض الجمع بينهما بالتخيير بينهما، ومردّ هذا الجمع إمّا إلى المشهور باعتبار أنّ إلقاء القناع هو احدى الإشارات المفهمة للمقصود، أو إلى أنّه طريق تعبّدي لإيقاع الطلاق في مقابل الطريق العرفي الذي يكفي فيه مطلق الإشارة المفهمة، كما رماها بعض آخر بالشذوذ [٦]).
[١]
الوسائل ٢٢: ٤٨، ب ١٩ من مقدّمات الطلاق، ح ٣.
[٢] المصدر السابق: ح ٥.
[٣] المصدر السابق: ٤٧، ح ٢.
[٤] المصدر السابق: ح ١.
[٥] المصدر السابق: ٤٨، ح ٤.
[٦] قال الشيخ الطوسي (النهاية: ٥١١): «ومن لم يتمكّن من الكلام مثل أن يكون أخرس، فليكتب الطلاق بيده إن كان ممّن يحسنه. فإن لم يُحسن فلْيومِ إلى الطلاق كما يومئ إلى بعض ما يحتاج إليه، فمتى فهم من إيمائه الطلاق وقع طلاقه. وقد روي: أنّه ينبغي أن يأخذ المقنعة فيضعها على رأسها ويتنحّى عنها] Y فيكون ذلك منه طلاقاً».
وقال ابن إدريس الحلّي (السرائر ٢: ٦٧٨) بعد نقل الرواية: «وهذه الرواية يمكن حملها على من لم تكن له كناية مفهومة ولا إشارة معقولة».
وقال ابن حمزة الطوسي (الوسيلة: ٣٢٣- ٣٢٤): «وما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء: الكتابة من الأخرس، ومن الغائب بأربعة شروط: أن يكتب بخطّه ويُشهد عليه ويسلم من الشاهدين ولا يفارقهما حتى يقيما الشهادة ويعلما المطلّقة، والإيماء من الأخرس على وجه يفهم منه الطلاق، أو إلقاء المقنعة على رأسها مع التنحّي عنها».
وقال المحقّق الحلّي (الشرائع ٣: ١٨): «ويقع طلاق الأخرس بالإشارة الدالّة. وفي رواية: يلقى عليها القناع فيكون ذلك طلاقاً، وهي شاذّة».
وقال ابن سعيد (الجامع للشرائع: ٤٦٦): «وطلاق الأخرس بكتابة أو إيماء أو إشارة أو وضع المقنعة على رأسها والتنحّي عنها».
وقال العلّامة الحلّي (القواعد ٣: ١٢٧): «ولا يقع
[الطلاق] بالإشارة إلّا مع العجز عن النطق كالأخرس. وفي رواية: يلقي القناع عليها».
وقال الشهيد الأوّل (اللمعة: ١٩٣): «وطلاق الأخرس بالإشارة وإلقاء القناع».
وقال الشهيد الثاني (الروضة ٦: ١٣) في شرحها: «وطلاق الأخرس بالإشارة المفهمة له وإلقاء القناع على رأسها؛ ليكون قرينة على وجوب سترها منه، والموجود في كلام الأصحاب الإشارة خاصّة، وفي الرواية: إلقاء القناع، فجمع المصنّف [/ الشهيد الأوّل] بينهما، وهو أقوى دلالة. والظاهر أنّ إلقاء القناع من جملة الإشارات، ويكفي منها ما دلّ على قصده الطلاق كما يقع غيره من العقود والإيقاعات والدعاوى والأقارير».
وقال المحدّث البحراني (الحدائق ٢٥: ٢١٦- ٢١٧): «لو تعذّر النطق كفت الكتابة والإشارة من غير خلاف يعرف، ومنه الأخرس، فيصحّ طلاقه بذلك كما تصحّ سائر عقوده وأقاريره وعباراته ... ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة عن البزنطي ... وما رواه في الكافي عن أبان بن عثمان ... وما رواه الكافي عن يونس .... وهذه الأخبار كلّها متّفقة الدلالة على ما ذكره، ونقل عن الصدوقين وجماعة من الأصحاب أنّهم اعتبروا فيه إلقاء القناع على المرأة يُرى أنّها قد حرمت عليه؛ لرواية السكوني وأبي بصير، ومنهم من خيّر بين الإشارة وإلقاء القناع، ومنهم من جمع بينهما. والتحقيق: الاكتفاء بما يفهم ذلك كائناً ما كان، وذكر بعض الأفراد في الأخبار إنّما خرج مخرج التمثيل».