الموسوعة الفقهية - موسسه دائرة المعارف الفقه الاسلامي - الصفحة ٣٩٢
وهذه الطرق الاجتهادية إذا لم تكن قطعيّة ويقينيّة بل كانت ظنّية لا بدّ وأن تكون مقرّرة من قبل الشريعة نفسها أي لا بدّ وأن تكون يقينيّة الاعتبار والحجّية شرعاً أو عقلًا على ما هو مقرّر في علم الاصول؛ إذ لا يمكن إثبات حجّية الظن بالظن بل لا بدّ من الانتهاء إلى العلم واليقين إمّا بالحكم الشرعي الواقعي أو بالاعتبار وحجّية ذاك الطريق غير العلمي، وقد يصطلح عليه علماء الاصول بالحكم الظاهري أو المنجزية والمعذّرية.
والاختلاف بين الفقهاء يحصل نتيجة لذلك في غير الأحكام المسلّمة والضرورية من الشريعة ممّا لا بدّ من تحصيل اليقين، أو الظنّ المعتبر من مجموعة ما هو مأثور عن النبي والأئمّة المعصومين عليهم السلام من الروايات والأحاديث وسائر ما يمكن أن يستكشف منها الحكم الشرعي إمّا بطريق علمي حدسي- أي غير ضروري وبديهي وإلّا كان من المسلّمات- أو بطريق ظني معتبر شرعاً أو عقلًا أو الانتهاء إلى الوظيفة العمليّة المقرّرة عند عدم التوصل إلى الحكم الواقعي بدليل معتبر.
ومن الواضح أنّ تشخيص ذلك يتوقّف على ممارسة عمليّة دقيقة تسمّى بالاجتهاد والاستنباط الفقهي وهو من أدقّ العلوم وأوسعها وأشرفها مكانة ورفعة، وقد ورد التأكيد عليه في كتاب اللَّه سبحانه في قوله تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ...» [١]، وفي أحاديث المعصومين عليهم السلام كما وضعت له قواعده واصوله ومنهجه العام في الشريعة نفسها وقد طوّرها وفصّلها الفقهاء بما ذكرناه بإسهاب في مقدّمة موسوعتنا الفقهية فليراجع تفصيله هناك.
وعلى هذا الأساس يكون وقوع الاختلاف بين المجتهدين الممارسين لعمليّة الاستنباط على الرغم من وحدة المنهج العام المقرّر شرعاً للاجتهاد الفقهي أمراً طبيعيّاً ناجماً عن طبيعة التعقيد العلمي وتنوّع مصادر الاستنباط ودقّتها وكثرة العناصر المؤثّرة عليها [٢]).
وقد تعرّض العلماء لحصر أسباب اختلاف الفقهاء في امور قد لا تكون دقيقة ولا منسجمة مع مباني فقه أهل
[١] التوبة: ١٢٢.
[٢] انظر: النظرة الخاطفة في الاجتهاد: ٥٥- ٥٧.