منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٣ - و أما الثالث
و لو رأى أهل الدّنيا العبد المذنب في النّار لصعقوا من وحشة خلقته و قبح صورته، و لو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه، و لو وقعت قطرة من شرابه في بحار الدّنيا لصارت أشدّ عفونة من الجيفة.
فمن هذا حاله في العاقبة كيف يفرح و يبطر، و كيف يتجبّر و يتكبّر، و كيف يرى نفسه شيئا، و يعتقد له فضلا، و أىّ عبد لم يذنب ذنبا استحقّ به العقوبة إلّا أن يعفو له الكريم بفضله، و يغفره باحسانه و منّه.
أ رأيت من جنى على ملك قاهر قادر، و استحقّ بجنايته القتل أو السيّاسة فجلس في السّجن و هو ينتظر أن يخرج إلى العرض و يقام عليه العقوبة على ملاء من الخلق، و ليس يدرى أ يعفى عنه أم يعاقب، كيف يكون ذلّه، أفترى أنه يتكبّر على من في السّجن، و ما من عبد مذنب إلّا و الدّنيا سجنه، و قد استحقّ العقوبة من اللَّه و لا يدرى كيف يكون آخر أمره فيكفيه لو تفكّر ذلك حزنا و خوفا و إشفاقا و مهانة و ذلّا.
و أما الثالث
فاعلم أنّ الغرض من خلقة الانسان هو العبوديّة و الاطاعة، قال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فاذا لا فضل لأحد أفراد هذا النّوع على الآخر إلّا بحصول ذلك الغرض منه أعنى القيام بوظائف العبوديّة، و به يترقّي إلى درجات الكمال، و يتقرّب إلى الربّ المتعال، و يكرم عنده كما قال عزّ من قائل:
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ.
يعني إنّ أكثركم عند اللَّه ثوابا و أرفعكم عند اللَّه منزلة أتقيكم لمعاصيه و أعملكم بطاعته.
روى الطبرسي في مجمع البيان في وجه نزول الآية أنّ ثابت بن قيس بن شماس كان في اذنه و قر، و كان إذا دخل تفسّحوا له حتّى يقعد عند النّبيّ ٦ فيسمع