منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٦ - المعنى
لأنها توكيد و تحقيق و بيان لما سبق، و فيه زيادة تثبيت له.
و المراد بها أنّ الانسان لا يكون مشغولا بنوع من اللّذات الجسمانية إلّا و هو تارك لغيره، و ما استلزم مفارقة نعمة اخرى لا يعدّ في الحقيقة نعمة ملتذا بها.
توضيح ذلك ما أشار إليه الشّارح البحراني: من أنّ كلّ نوع من نعمة فانما يتجدّد شخص منها و يلتذّبه بعد مفارقة مثله، كلذّة اللّقمة مثلا، فانّها تستدعى فوت اللّذة باختها السّابقة، و كذلك لذّة ملبوس شخصى أو مركوب شخصى و سائر ما يعدّ نعما دنيويّة ملتذّا بها، فانّها إنّما تحصل بعد مفارقة ما سبق من أمثالها، بل و أعمّ من ذلك فانّ الانسان لا يتهيّأ له الجمع بين الملاذّ الجسمانيّة في وقت واحد، بل و لا اثنين منها، فانه حال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا و حال ما هو في لذّة الأكل لا يكون يلتذّ بمشروب، و لا حال ما يكون خاليا على فراشه الوثير يكون راكبا للنزهة و نحو ذلك.
(و لا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلّا بهدم آخر من أجله) لظهور أنّ بقائك إلى الغد مثلا لا يحصل إلّا بانقضاء اليوم الذي أنت فيه و هو من جملة أيّام عمرك و بانقضائه ينقص يوم من عمرك، و تقرب إلى الموت بمقدار يوم، و اللّذة بالبقاء المستلزم للقرب من الموت ليست لذّة في الحقيقة (و لا تجدّد له زيادة في أكله إلّا بنفاد ما قبلها من رزقه) أي من رزقه المعلوم أنّه رزقه و هو ما وصل إلى جوفه مثلا، فانّ ما لم يصل جاز أن يكون رزقا لغيره، و من المعلوم أنّ الانسان لا يأكل لقمة إلّا بعد الفراغ من أكل اللّقمة الّتي قبلها فهو اذا لا يتجدّد له زيادة في أكله إلّا بنفاد رزقه السّابق و ما استلزم نفاد الرّزق لا يكون لذيذا في الحقيقة.
(و لا يحيى له أثر الّا مات له أثر) قال الشّارح البحراني: أراد بالأثر الذكر أو الفعل، فانّ ما كان يعرف به الانسان في وقت ما من فعل محمود أو مذموم أو ذكر حسن أو قبيح و يحيى له بين النّاس يموت منه ما كان معروفا به قبله من الآثار و ينسى.