محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٠٩
بالامتناع و وحدة المجمع وجودا و ماهية فهو اما مشتمل على المصلحة دون المفسدة، أو بالعكس، فان قلنا بتقديم الوجوب فلا حرمة و لا مفسدة تقتضيه، و ان قلنا بتقديم الحرمة فلا وجوب و لا مصلحة تقتضيه، فليس في مورد الاجتماع مصلحة و مفسدة ليدور الأمر بين دفع المفسدة و جلب المنفعة، و لا موضوع عندئذ لتلك القاعدة، و موضوع هذه القاعدة و موردها هو ما إذا كان في فعل مفسدة ملزمة و في فعل آخر مصلحة كذلك و لا يتمكن المكلف من دفع الأولى و جلب الثانية معاً فلا محالة تقع المزاحمة بينهما، فيقال ان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، فهذه القاعدة لو تمت فانما تتم في باب التزاحم، بناء على وجهة نظر العدلية فحسب لا مطلقاً، و اما في باب التعارض فلا تتم أصلا و قد تقدم ان المسألة أي مسألة الاجتماع على القول بالامتناع داخلة في كبرى باب التعارض.
على انه لا أصل لهذه القاعدة في نفسها، لعدم الدليل عليها أصلا لا من العقل و لا من الشرع، بل يختلف الحال فيها باختلاف الموارد فقد يقدم جانب المفسدة على جانب المنفعة، و قد يقدم جانب المنفعة على جانب المفسدة. و هكذا.
أضف إلى ذلك ان هذه القاعدة على فرض تماميتها و كون الأولوية فيها أولوية قطعية لا ظنية، فهي لا صلة لها بالاحكام الشرعية أصلا، و ذلك لوجهين:
الأول - ان المصلحة ليست من سنخ المنفعة و لا المفسدة من سنخ المضرة غالباً و الظاهر ان هذه القاعدة إنما تكون في دوران الأمر بين المنفعة و المضرة لا بين المصلحة و المفسدة كما لا يخفى.
و بكلمة أخرى ان الأحكام الشرعية ليست تابعة للمنافع و المضار، و انما هي تابعة لجهات المصالح و المفاسد في متعلقاتها. و من المعلوم ان المصلحة ليست مساوقة للمنفعة و المفسدة مساوقة للمضرة. و من هنا تكون في كثير من الواجبات مضرة مالية كالزكاة و الخمس و الحج و نحوها، و بدنية كالجهاد و ما شاكله