محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ١٣٠
ما عدا اعتبار الشارع لها للأشياء بالذات، كما في الأعيان النجسة، أو بالعرض، كما في الأعيان المتنجسة، لحكمة دعت إلى ذلك الاعتبار، و من المعلوم ان هذا الاعتبار لا يتصف بالشدة و الضعف، فلا يقال ان اعتبار نجاسة شيء عند ملاقاته للبول شديد و اعتبار نجاسته عند ملاقاته للدم - مثلا - ضعيف، ضرورة انه لا فرق بين الاعتبارين من هذه الناحية أصلا، و لا يعقل اتصافهما بالشدة تارة و بالضعف أخرى.
و على الجملة فليس في المقام عند التحليل الا اعتبار الشارع نجاسة الثوب - مثلا - عند ملاقاته للبول، و اعتبار طهارته عند غسله في الماء مرتين مطلقاً، أو في خصوص الماء القليل على الخلاف في المسألة، فتكون ملاقاته للبول موضوعا لحكم الشارع بنجاسته، و غسله في الماء مرتين موضوعا لحكمه بطهارته. و من الواضح ان الموضوع ما لم يتحقق في الخارج لا يترتب عليه حكمه.
و على ضوء ذلك فلا أثر لتحقق الغسلة الواحدة بالإضافة إلى الحكم بالطهارة ما لم تتحقق الغسلة الثانية، لفرض انها جزء الموضوع، و لا أثر له ما لم يتحقق جزؤه الآخر أيضاً، و عند تحقق الغسلة الثانية يتحقق الموضوع، فيترتب عليه حكمه - و هو الطهارة في المثال كما انه ربما اعتبر الشارع في حصول الطهارة لشيء خصوصية أخرى زائداً على غسله بالماء، و هي المسح بالتراب أو نحوه.
و لكن من المعلوم ان كل ذلك لمصلحة يراها الشارع، و ليس امراً جزافا لاستحالة صدور الجزاف منه، كما ان من الضروري انها لا توجب كون اعتبار النجاسة في مثل هذه الموارد أشد من اعتبارها في غيره من الموارد، لما عرفت من ان الاعتبار - بما هو - لا يمكن ان يتصف بالشدة و الضعف، ضرورة انهما من صفات و عوارض الأمور الخارجية، لا الأمور الاعتبارية التي لا واقع لها في الخارج.