محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٠٦
و من المعلوم انه لا يفرق فيه بين القول بتبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد و القول بعدمها، و كون مورد الاجتماع مشتملا على مناط أحد الحكمين أم لا. و قد تقدم الكلام من هذه الناحية بشكل واضح في بحث الضد، فلا نعيد. و عليه فما أفاده (قده) من الضابط للتعارض بين الدليلين و هو كون مورد الاجتماع بينهما مشتملا على مناط أحدهما لا أصل له، بل صدوره من مثله (قده) غريب جداً.
و من ناحية أخرى انا قد ذكرنا هناك ان التزاحم على نوعين: (الأول) التزاحم بين الملاكات بعضها ببعض (الثاني) التزاحم بين الأحكام كذلك.
اما النوع الأول فقد ذكرنا سابقاً انه خارج عن محل الكلام، فان محل الكلام انما هو في النوع الثاني، و لذا قلنا ان الترجيح فيه بيد المولى، فله ان يلاحظ الجهات الواقعية و يرجح بعضها على بعضها الآخر، و ليس ذلك من وظيفة العبد، فان وظيفته امتثال الأحكام المجعولة من قبل المولى. على انه ليس للعبد طريق إلى معرفة تلك الجهات ليرجح بعضها على بعضها الآخر مع قطع النّظر عن الأحكام المجعولة على طبقها.
و بعد ذ لك نقول انه (قده) ان أراد من التزاحم بين المقتضيين ذلك فقد عرفت ان هذا النوع من التزاحم خارج عن محل الكلام، و ان الترجيح فيه بيد المولى دون العبد. و لذا لا يرجع فيه إلى مرجحات النوع الثاني من التزاحم.
و ان أراد منه التزاحم بين الدليلين في مرتبة الاقتضاء فقد تقدم ان التزاحم هو تنافي الحكمين في مرتبة الفعلية الناشئ من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون أي تناف بينهما في مقام الإنشاء و الجعل، كما مر بشكل واضح. و عليه فلا يرجع قوله (قده) بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين إلى معنى محصل أصلا.