بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٩
اختصاص العمل بالأدلّة بالمجتهد بالنّسبة إلى جميعها عرضيّ لا ذاتي و إلاّ فأصل العمل بمقتضاها مشترك بين المجتهد و المقلّد فإنّ معاصريالأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين ممّن كان من أهل اللّسان بل مقاربي أعصارهم كانوا يعملون بالرّوايات الّتي يسمعونها عنهم عليهم السلام أو المرويّة عنهم عليهم السلام بتوسّط الثّقات كما يعملون بفتاوي من رخّص لهم الأئمّة عليهم السلام الأخذ بها و هذا أمر ظاهر لا ينكره أحد بل يمكن دعوى كون غالب المخاطبين بالعملبروايات الثّقات من العوام و إن هو إلاّ نظير أخذ الفتوى من المجتهد في زماننا فإنّه قد يكون بلا واسطة و قد يكون بتوسّط الوسائط المعتبرةو هذا بخلاف زماننا و أشباهه فإنّه لا يجوز للعامي العمل بالرّوايات و ليس ذلك إلاّ من جهة قدرة أهل الزّمان السّابق على تحصيل شروطالعمل بالرّوايات من الفحص عن الصّوارف و المعارضات و مرجّحاتها و عجز أهالي الأعصار المتأخّرة بل ربما لا يحتاجون إلى الفحص أصلا من حيث كونالخطاب الملقى إليهم في زمان الحاجة إلى العمل بالحكم في الواقعة نظير بيان المجتهد للعامي في مقام العمل و الحاصل أنّا لا ننكر وجود التّقليد فيأعصار الأئمّة عليهم السلام فإنّه من الواضحات الّتي لا ينكرها إلاّ المعاند كيف و الأخبار التي وردت في باب التقليد وردت في حقّهم مضافا إلى قيامالإجماع و دلالة الكتاب العزيز عليه كآيتي النّفر و السّؤال و نحوهما إلاّ أنّ مدار الأحكام في حقّ العوام في تلك الأزمان لم يكن منحصرا في التّقليدكزماننا بل لهم أن يعملوا بالرّوايات كما يكشف عنه ما ورد في كتب بني فضال و أضرابهم ممّن كان على الحقّ فعدل عنه بل هذا أيضا واضحبل أوضح لا ينكره إلاّ معاند و هذا الوجه كما ترى و إن اقتضى دخول المسألة في علم الأصول إلاّ أنّه يتوجّه عليه مضافا إلى النّقض بالقواعد الفقهيّةالمسلّمة كقاعدة الحلّية و الطّهارة و أمثالهما في الشّبهات الحكميّة حيث إنّ كونها من مسائل الفقه من المسلّمات مع أنّه لا يتمكّن العامي من الأخذبها من حيث اشتراطها بالفحص المتعذر منه بأنّه لا يصلح للمعارضة لما ذكرنا من الوجه المقتضي لكونها من مسائل علم الفقه فإنّك قد عرفت أنّالرّجوع إلى موضوع العلوم في باب التّميز مقدّم على الموازين فلا بدّ من القول بكون ما ذكر من اللاّزم لازما غالبيّا لأغلب المسائل الفقهيّة لالنفس المسألة الفقهيّة كيف ما كانت حتّى ما كان من القواعد الكليّة الظّاهرة المتوقّفة على الفحص فتدبّر في المناقشة على ما أفاده بحر العلوم قدّس سره من جعل لا تنقض دليلا على الدّليل ثمّ إنّه يظهر ممّا ذكرنا كلّه توجّهالمناقشة إلى ما أفاده السيّد بحر العلوم قدس سره من جعل الاستصحاب دليلا على الحكم في موارده و مجاريه و جعل الأخبار الواردة في الباب دليلا على الدليلنظير خبر الواحد حيث إنّه دليل على الحكم في مورده و آية النّبإ أو غيرها من أدلّة اعتباره دليل على الدّليل كما حكاه شيخنا قدس سره عنه في الكتاب حيثإنّه بظاهره محلّ مناقشة جزما فإنّك قد عرفت أنّ حقيقة الاستصحاب على الأخبار هو عين مفاد الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بغير اليقين فليسهنا استصحاب مع قطع النّظر عن الأخبار حتّى تجعل دليلا عليه كخبر الواحد بالنّسبة إلى آية النّبإ مثلا فإنّ هناك أمورا المسألة الفقهيّة الّتي وردفيها الخبر و نفس الخبر و آية النّبإ و أمّا في المقام فليس فيه إلاّ المسألة الفقهيّة التي تتكفّل لبيان حكمها في مرحلة الظّاهر الأخبار الواردة فيه فطهارةمن خرج عنه المذي مثلا حكم شرعيّ هو مدلول قوله لا تنقض اليقين بالشّك و ليس هنا استصحاب غير هذا المدلول فما أفاده بظاهره غير مستقيمجدّا اللّهم إلاّ أن يوجّه بتنزيل الأخبار على إرادة بيان اعتبار الظّن الاستصحابي و هو في غاية البعد من كلامه هذا و سيجيء تتمّة الكلام فيماأفاده في تنبيهات الاستصحاب عند تعرّض شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره له هذا بعض الكلام في القسم الأوّل و هو الاستصحاب الجاري في الحكم الفرعي و أما القسم الثاني و هو الاستصحاب الجاري في الحكمالأصولي كما ينفي وجود المعارض بعد الفحص أو يحكم بحجيّة العام المخصّص بالاستصحاب و نحوهما فلما كان مدلول الأخبار فيه مسألة أصوليّة فلا محالةيحكم بكون التكلّم فيه بالنّسبة إليه داخلا في المسألة الأصوليّة نظير إثبات المسألة الأصوليّة بأدلّة نفي الحرج كما ينفي وجوب تحصيل العلمبعدم الدّليل أو المعارض في العمل بالأصل و الدّليل بلزوم الحرج منه و أمّا القسم الثّالث و هو الاستصحاب الجاري في الشّبهة الموضوعيّةفلا إشكال في كون التّكلّم فيه من التّكلم في المسألة الفرعيّة و إن قيل باعتباره من باب العقل حيث إنّ الحكم المستنبط منه حكم فرعيّ ظاهريّ فإنّمعنى حجيّة الأمارة في الموضوعات ليس جعل نفس الموضوع بل جعل أحكامه و لا يتوصّل بها إلى الأحكام الفرعيّة الكلّية حتّى يدخل البحث فيهمن باب الظّن في البحث عن الأدلّة لكي يدخل في المسألة الأصوليّة و الحاصل أنّ المجعول في الموضوعات المردّدة سواء كان مبنى الاستصحابعلى الظّن أو التّعبّد هو الحكم الشّرعي الظاهري على كلّ تقدير سواء كان جعله ابتداء أو بالذّات فيسمّى أصلا أو بواسطة قيام الأمارة علىالموضوع فيكون التّكلّم في الاستصحاب من باب الظّن في الموضوعات الخارجيّة كالتكلّم في اعتبار سائر الأمارات كأصالة الصّحة و اليد و الغلبةو البيّنة و نحوها فلا فرق في التّكلم في لزوم البناء على الطّهارة مثلا في الموضوعات بين أن يكون الكلام فيه من حيث اقتضاء الشّك ذلك منجهة أصالة الطّهارة أو من حيث اقتضاء الاستصحاب لها فيما كان مسبوقا بالطّهارة على القول به من باب الظّن أو قيام البيّنة عليها و لو كانمسبوقا بالنجاسة في كون البحث على الجميع عن الحكم الفرعيّ الظّاهري و إن اختلف مفادها من جهة أخرى كما لا يخفى فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّهكما يختلف حال المسألة من حيث الدّخول في مسائل علم الأصول أو الفروع بالنّظر إلى جهة اعتباره في الجملة كذلك يختلف حالها بالنّظر إلى موارد