بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٠٢
البحث قد ينتصر به للقائل بعدم اعتبار الاستصحاب المذكور من جهة المعارضة و هو أنّ التّفصيل الّذي ذكرنا في مسألة الشّك فيالحادث إنّما يستقيم على القول بعدم اعتبار الأصول المثبتة حسب ما هو قضيّة التّحقيق و أمّا على القول باعتبارها كما عليه المشهورمن جهة ذهابهم إلى كون اعتبار الاستصحاب من باب الظّن كما عن الأكثرين أو من باب التّعبّد مع عدم الفرق بين الأصول المثبتةو غيرها كما عن جماعة ممّن تأخّر فلا وجه للتّفصيل المذكور بل يجوز إجراء الأصل في المقام و أمثاله من كلّ من الطّرفين فكما يقالالأصل عدم كون خروج الرّوح بطريق الموت حتف الأنف فيثبت كون المشكوك وقع عليه التّذكية إذ لا يلزم عليه شيءإلاّ كونه من الأصول المثبتة و المفروض الالتزام باعتبارها و الحاصل أنّ ترتّب الأحكام في الشّريعة على التّذكية و عدمها لايمنع من المعارضة الّتي ذكرها المانع على القول باعتبار الأصول المثبتة و لم يظهر لي ما يدفع هذا الإشكال على هذا التّقدير نعم بناء على القول بأنّ الميتة عبارة عن غير المذكّى كما ستقف عليه في الوجه الثّاني لم يكن معنى للمعارضة المذكورة كما لا يخفى و أمّا مايقال من أنّه إذا بني على أنّ الموت عبارة عن خصوص خروج الرّوح عن الأنف كما هو ظاهر كلام المانع يوجد هنا واسطة بين المذكّى والميتة فبأصالة عدم الموت لا يمكن إثبات التّذكية ضرورة أنّ نفي أحد الضّدين إنّما يستلزم ثبوت ضدّ الآخر فيما لم يكن لهما ثالثفمدفوع بأنّ للمانع أن يتمسّك حينئذ بنفي جميع الأضداد بالأصل فيثبت التّذكية اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّه غير مطلب المانع فإنّ الظّاهر منكلامه المعارضة بين أصالة عدم الموت و التّذكية لا بين أصالة جميع الأضداد و أصالة عدم التّذكية و لكن يدفعه أنّ ما ذكرنامن جانب المانع لم يكن مستفادا من كلامه بل ظاهر كلامه خلافه حيث إنّه ظاهر في كون الحرمة و النّجاسة من أحكام الميتة و إنّما هو كلامذكرناه من قبله على تقدير غير مسلّم عنده فلا مانع من أن يلتزم على هذا التّقدير بما ذكرنا من إجراء الأصل في جميع الأضداد فتدبّر مع احتمال كون مراده من الموت حتف الأنف كلّ خروج روح لم يكن بعنوان التّذكية فتأمّل قال الفاضل التّوني رحمه الله في ذيل كلامهالمحكي و استدلّ بعض آخر على النّجاسة بأنّ للذّبح أسبابا حادثة و الأصل عدم الحادث فيكون نجسا و قد عرفت أيضا أنّ أصالة العدممشروطة بشروط منها أن لا يكون مثبتا لحكم شرعيّ مع أنّه معارض بعدم أسباب الموت أيضا انتهى كلامه و لكنّك خبير بأنّ هذه المعارضةعلى تقدير ترتّب الأحكام في الشّريعة على المذكّى و غيره على ما عليه الأستاذ العلاّمة و جماعة و هو الحقّ الّذي لا محيص عنه من عدم اعتبارالأصول المثبتة فاسدة جدّا فالأولى نقل الكلام إلى إثبات هذا التّقدير في أن المستفاد من الآيات و الأخبار ترتّب الأحكام على المذكى و غيره فنقول إنّ من المعلوم الّذي لا يرتاب فيه ظهور جملة منالآيات و كثير من الأخبار بل صراحتها في أنّ الحرمة و النّجاسة رتّبتا على غير المذكّى الواقعي و ضدّهما رتّب على المذكّى الواقعي نعم قد يقوم على إثباتهما طرق شرعيّة من التّعبّدية و غيرها كما هو الشّأن في سائر الموضوعات الواقعيّة الّتي رتّبت عليها أحكام في الشّريعةو منه يظهر أنّ ما ذكره الأستاذ العلاّمة لا يخلو عن تسامح إلاّ أن يكون مراده كما هو الظّاهر ما هو المحصّل بعد ملاحظة ما دلّ علىاعتبار الأمارة أو الأصل فتأمّل بل أقول إنّ الأخبار الدّالّة على ترتّب الأحكام على المذكّى و غيره قد بلغت حدّ التّواتر كما يعلم منالرّجوع إلى ما ورد في باب الصّيد و الذّباحة و ما ورد في جواز ترتّب أحكام المذكّى على المأخوذ من سوق المسلمين و الصّلاة في جلدهفإنّه و إن استدلّ به بعض الأصحاب على أنّ الحكم في المشكوك مطلقا هو الإلحاق بالمذكّى لكنّك خبير بفساد هذا الاستدلال و دلالتهاعلى خلاف المدّعى و ما ورد في جواز الصّلاة في جلد الحيوان الّذي ذكّي و عدم جوازها في جلد الحيوان الّذي لم يعلم تذكيته كموثّقة ابنبكير قال سأل زرارة أبا عبد اللّه عليه السلام عن الصّلاة في الثّعالب و الفنك و السّنجاب و غيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنّه إملاء رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آلهأنّ الصّلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصّلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصّلاة حتّى يصلّىفي غيره ممّا أحلّ اللّه أكله و إن كان ممّا يؤكل لحمه فالصّلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و كلّ شيء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكّي قد ذكّاهالذّابح الحديث و مثل ما روي في الوافي بسنده إلى عليّ بن أبي حمزة قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام و أبا الحسن عليه السلام عن لباس الفراء و الصّلاة فيها فقاللا تصلّ فيها إلاّ فيما كان منه ذكيّا إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب و لا يتوهّم أنّ الظّاهر من جملة من الأخبار كون العلم بالتّذكيةشرطا في ترتّب الأحكام على المذكّى و مأخوذا في الموضوع و كون الحرمة و النّجاسة مترتّبين في الواقع على المشكوك كما في جملة من الأحكامالّتي تكون كذلك كحرمة العمل بما وراء العلم و غيرها فيكون ثبوتهما في مورد الشّك واقعيّا فلا معنى لإجراء الأصل لأنّ من الواضحالمعلوم لكلّ من تتبّع تلك الأخبار كون الحكم المترتّب على صورة الشّك و عدم العلم حكما ظاهريّا و إن لم يعلم كونه من جهة الاستصحابلاحتمال كونه حكما ظاهريّا في عرضه كقاعدة الطّهارة و استصحابها و القياس بمسألة حرمة العمل بما وراء العلم فاسد جدّا لأنّ الحكم