بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٦
بالأصل فإن شئت عبّرت عن المطلب بعبارة أخرى فقلت إنّ النّقل و الانتقال مثلا إنّما هو مسبّب عن العقد التّمام الجامع لجميع الشّرائطالمعتبرة فيه فعدمه إنّما هو مسبّب من عدم وجود العقد التّام لا من وجود العقد النّاقص ضرورة أنّ عدم المعلول مستند إلى عدم العلّةالتّامة لا إلى العلّة النّاقصة و ليست من إفراد عدم العلّة التّامّة أيضا ضرورة استحالة انطباق المعدوم على الموجود و صدقه عليهحقيقة و أمّا قول أهل الميزان إنّ نقيض أحد الضّدين يصدق على عين الآخر كلا إنسان فإنّه يصدق على الحجر و لا حجر فإنّه يصدق علىالإنسان فإنّما هو توسّع في الإطلاق و تسامح فيه كما بيّن في محلّه و إلاّ فالحمل المذكور لا ينطبق على حمل ذي هو من دون تحمل مع أنّكون العلّة النّاقصة من أفراد عدم العلّة التّامة لا يجدي نفعا في المقام لأنّ من إثباته لا يمكن إثبات انطباقه على العلّة النّاقصة كماهو واضح لمن تأمّل فيما ذكرنا من أوّل التّعليقة إلى هنا و بالجملة إسناد الفساد إلى العقد الصّادر من غير البالغ و حمله عليه كإسناده إلىسائر الأشياء الّتي لا ربط لها بالنّقل و الانتقال أصلافي تتميم ما تقدّم من حكومة أصالة الصّحة على الاستصحاب بالموضوعيّة فإن قلت لو كان الأمر كما ذكرت فما وجه تقسيمهم للعقود إلى الصّحيحة و الفاسدةو عدّهم العقود الفاقدة لبعض الشّرائط الشّرعيّة من الأخيرة بل مصداق العقد الفاسد منحصر فيها و هذا أمر لا يمكن إنكاره لأحد و لم ينكرهأحد إذ كلماتهم مشحونة بنسبة الفساد إلى العقود و لم يسمع من أحدهم نسبته إلى غيرها ممّا لا دخل لها في النّقل و الانتقال قلت نسبة الفساد إلى العقود الفاقدة للشّرائط و عدم نسبته إلى غيرها ممّا لا ربط لها بالنّقل و الانتقال أصلا و إن كانت مسلّمة إلاّ أنّهاليست من جهة استناده إليه واقعا و كونه من محمولاته الواقعيّة بل إنّما هو من جهة التّوسّع في الإطلاق لاشتمالها على جملة ممّا يعتبر فيالعقد الصّحيح التّام و إلاّ في عدم استناد الفساد إليه واقعا لا فرق بينها و بين غيرها من الأشياء فإذا لم يبق في المقام في مقابلأصالة الصّحة المشخّصة للفعل في ضمن الفرد الصّحيح إلاّ أصالة عدم وجود العقد عن البالغ الّتي يرجع إلى أصالة عدم وجود السّبب الشّرعيالرّاجعة إلى أصالة الفساد حقيقة الّتي قد عرفت حكم مقابلتها لأصالة الصّحة كما إذا شكّ في غير ما يكون مسبوقا بالعدم من الشّرائطبناء على كون عدم الشّرط عين عدم المركّب المشروط به من حيث لحاظ التّركيب معه ذهنا لا مستلزما له بحكم العقل كما أنّ عدم الجزءعين عدم الكلّ و من المعلوم أن ما يدلّ على عدم وجود السّبب في الظّاهر لا يعارض ما يدلّ على سببيّة الموجود لأنّ دلالته على عدم وجودهإنّما هو من حيث عدم قيام ما يدلّ على سببيّة الموجود فإذا قام ثمّة ما يدلّ عليها فلا يعارضه فإن قلت أصالة عدم وجودالسّبب الشّرعي و إن لم تعارض في نفسها ما يدلّ على سببيّة الموجود بل هي نظير أصالة الفساد إلاّ أنّ الحكم بعدم السّبب من جهة الحكمبعدم وجود الشّرط المشكوك كالبلوغ لا يجامع الحكم ظاهرا بكون الموجود مشتملا عليه فيحكم الشّارع بمقتضى استصحاب عدم البلوغ بالبناءعلى عدم صدور العقد عن البالغ لا يجامع حكمه بالبناء على كون الموجود عقدا من البالغ كما أنّه لا يجامع حكمه بالبناء على وجود عقد منالبالغ فدعوى حكومة أصالة الصّحة على الاستصحابات الموضوعيّة فاسدة قلت نمنع من كون ما يدلّ على عدم وجود صدور العقد عنالبالغ في مرتبة ما يدلّ على كون العقد الموجود صادرا عن البالغ كما أنّه في مرتبة ما يدلّ على وجود العقد عن البالغ لو فرض ثمّة ما يدلّعليه فإنّ الّذي في مرتبة ما يدلّ على كون العقد الموجود صادرا عن غير البالغ و قد عرفت أنّه ليس في المقام ما يدلّ عليه هذا ملخّص ما أفادهالأستاذ العلاّمة دام ظلّه و خطر بالبال في بيان حكومة أصالة الصّحة على الاستصحابات الموضوعيّة و فساد الوجه الثّالث و عليكبالتّأمّل و إمعان النّظر فيه لعلّك تجده حقيقا بالقبول ثمّ إنّ هذا كلّه إنّما هو فيما لو أردنا تقديم أصالة الصّحة على الاستصحاباتالموضوعيّة من حيث الحكومة و إلاّ فأصل تقديمها عليها على فرض تسليم تعارضهما و كونهما في مرتبة واحدة ممّا لا ينبغي الإشكالفيه و لو كان اعتباره من باب الظّن و اعتبارها من باب التّعبّد و أخصيّة ما دلّ على اعتبار أصالة الصّحة ممّا دلّ على الاستصحاباتكما هو واضح فلا معنى للرّجوع إذا إلى أصالة الفساد على تقدير التّعارض أيضاقوله مع إمكان إجراء ما سلف من أدلّة تنزيه فعلإلخ (١)أقول لا يخفى عليك أنّ ما ذكره دام ظلّه مناف لما بنى الأمر عليه سابقا في معنى الأخبار الواردة في تنزيه فعل المسلم عن القبيحو القول بأنّ المراد من الأدلّة غير الأخبار لا يخفى ما فيه و بالجملة المستند في أصالة القصد و اعتقاد مضمون الكلام ليس إلاّ بناء العقلاءفي كلام كلّ متكلّم كما أنّ المستند في أصالة الحقيقة ليس إلاّ بناء العرف و العقلاء ثمّ إنّه دام ظلّه لم يذكر بعض الأقسام في دوران الأمرفي اللّفظ الصّادر من المتكلّم كما إذا دار الأمر بين كونه غلطا بحسب قواعد اللّغة و العربيّة كإرادة المعنى المجازي منه من دون علاقة أو مندون قرينة مع كون المقام مقام الحاجة و نصب القرينة و كما إذا تكلّم بلفظ في العقود أو الإيقاعات مردّد بين أن يكون المراد منه ما هوصحيح في الشّرع أو فاسد فإنّه قد قيل بحمله على ما يكون صحيحا في الشّرع حتّى تعدّى بعض فحكم بذلك حتّى فيما كان اللّفظ ظاهرا في المعنى الفاسد