بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١١٨
من البراءة ثمّة هو عدم التّكليف لا حكم العقل بقبحه أو المؤاخذة عليها كما هي المراد من البراءة في المقام و إن أمكنت الخدشة فيماذكروه ثمّة أيضا من غير الجهة المذكورة كعدم العلم ببقاء الموضوع و كون المقصود من استصحاب عدم التّكليف و إثباته هو نفي المؤاخذةو هو ليس من أحكامه إلى غير ذلك لكن لا تعلّق له بمحلّ البحث كما لا يخفى و منه يعلم أنّ البراءة الممنوعة استصحابها من جهة كونها حكماعقليّا إنّما هو نفي المؤاخذة ليس إلاّ فيمكن أن يقال حينئذ إنّ المراد بالبراءة عندهم في الأصول و الفروع هو عدم التّكليف و خلوّ الذّمةواقعا فلا يتوجّه عليهم ما ذكرنا و إن توجّه عليهم الإيرادان الأخيران و لعلّه الظّاهر من كلماتهم في موارد استعمال استصحابالبراءة و هذا و إن لم يكن جاريا أيضا إذا كان المقصود به إثبات عدم المؤاخذة إلاّ أنّ وجه المنع فيه ليس كونه استصحابا في الأحكامالعقليّة بل ما عرفت من عدم كون المؤاخذة من الآثار المترتّبة على عدم التّكليف واقعا فافهم في أنّ حال استصحاب الاشتغال حال استصحاب البراءة و إن كان هو أيضا معروفا و منها استصحاب الاشتغالالّذي جرى في الاشتهار مجرى استصحاب البراءة كما في موارد العلم الإجمالي بالتّكليف فيما يحكم العقل فيه بوجوب الاحتياط بعدالإتيان ببعض أطراف الشّبهة فإنّه قد يتمسّك حينئذ لوجوب الإتيان بباقي الأطراف باستصحاب شغل الذّمّة بالتّكليف و فيه أيضا أنّ شغل الذّمّة الّذي يحكم به العقل الّذي يعبّر عنه بوجوب الاحتياط أيضا ليس ممّا يقبل الشّك حتّى يجري فيه الاستصحابلأنّ العلّة في حكم العقل بوجوب الاحتياط في أوّل الأمر و قبل الإتيان ببعض أطراف الشّبهة هو احتمال الضّرر في كلّ محتمل و هومتحقّق بعد الإتيان ببعض المحتملات ضرورة عدم صلاحيّته لرفعه مع أنّه على تقديره نقطع بارتفاع الموضوع فيستقلّ العقلبالحكم بوجوب الاحتياط و على تقدير ارتفاع الاحتمال لا يحكم بوجوبه قطعا فليس هنا مورد يشكّ في حكم العقل بوجوب الاحتياطحتّى يتمسّك باستصحابه نعم الاشتغال بمعنى بقاء التّكليف الواقعي المتعلّق بذمّة المكلّف و عدم الإتيان به واقعا ممّا يمكنوقوع الشّك فيه نظير سائر الأمور الواقعيّة لكن استصحابه إنّما ينفع في ترتيب الآثار الشّرعيّة على بقاء الواجب في ذمّة المكلّفمثل عدم جواز فعل النّافلة و نظيره و أمّا بالنّسبة إلى الحكم بوجوب الإتيان بباقي الأطراف بالوجوب العقلي الإرشادي فلا لماعرفت من كونه مترتّبا على عدم العلم بإتيان الواجب لا على عدم إتيانه في الواقع مضافا إلى كونه من الآثار العقليّة لا الشّرعيّة نعم لو قلنا باعتبار الأصول المثبتة أمكن إثبات وجوب الطّرف الباقي بالوجوب الشّرعي و لا يقدح فيه كون الحاكم بوجوب الإتيان بعدإثباته أيضا العقل لأنّ الحكم الشّرعي الثّابت بالاستصحاب يترتّب عليه جميع آثاره من العقليّة و الشّرعيّة و غيرهما حسب ما ستقفعلى تفصيل القول فيه إن شاء اللّه تعالى و بالجملة البراءة و الاشتغال قد يراد بهما حكم العقل فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيهما و قد يراد بهماعدم التّكليف الواقعي و عدم سقوطه في الواقع فحالهما حينئذ حال سائر الموضوعات و الأمور الّتي يراد استصحابها فإن ترتب عليهماحكم شرعيّ فهو و إلاّ فلا معنى لاستصحابهما سواء كان من جهة ترتيب الحكم على ما هو موجود في صورة الشّك قطعا أو من جهة كونهأثرا غير شرعيّ و الّذي ظهر لي بالتّبع في كلماتهم كون مرادهم من استصحابي البراءة و الاشتغال هو المعنى الثّاني لهما مع إرادتهم لترتيبما هو مترتّب على العنوان الأعمّ من المؤاخذة على تقدير المصادفة في الثّاني و عدمها على تقدير ثبوت التّكليف في الأوّل فيتوجّهعليهم حينئذ ما عرفت من عدم جريانه أيضا و إن كان المستصحب لا دخل له بالعقل و ممّا ذكرنا كلّه ظهر لك أنّ ما ربما يستفاد من كلامالأستاذ العلاّمة من عدم الحاجة إلى استصحابي البراءة و الاشتغال المشعر بتسلّم جريانهما و الغناء عنهما ليس في محلّه كما أنّه ظهر لكأنّ ذكر استصحاب البراءة و الاشتغال في المقام إنّما هو على تقدير كون المراد بهما المعنى الأوّل لا الثّاني و اللّه العالم في الإشارة إلى سائر الاستصحابات العقليّة المدخولة و منها ما تمسّك به جماعة في مسألة وجوب تقليد الأعلم دليلا على نفيه من أنّا نفرض هناك مجتهدين متساويين في العلم فيستصحب التخييرو جواز الرّجوع إلى كلّ واحد منهما بعد صيرورة أحدهما أفضل و أعلم و يتم المدّعى في غير الصّورة بالإجماع المركّب و عدم القولبالفصل و فيه أنّ حكم العقل بالتّخيير و جواز الرّجوع إلى كلّ واحد من المجتهدين في صورة المساواة إنّما هو من جهة قبح التّرجيحبلا مرجّح و هذا المناط ليس بموجود بعد وجود الأفضليّة فلا شك في حكم العقل للقطع بانتفائه فلا مجرى للاستصحاب نعم لو كان التّخيير بينهما في صورة المساواة شرعيّا أمكن استصحابه بعد ارتفاع المساواة مع قطع النّظر عن المناقشة فيه بتغير الموضوعأو احتمال تغيّره المانعين عن جريان الاستصحاب و منها ما تمسّك به جماعة أيضا في مسألة عدم جواز العدول عن مجتهد إلى غيرهاختيارا مع مساواتهما في الفضيلة من حيث العلم و العدالة للقول بعدم الجواز كما هو المشهور من أنّا نفرض أوّلا وحدة المجتهد الّذييجوز الرّجوع إليه فيستصحب تعيّن تقليده بعد فرض وجود غيره أيضا و يتم المدّعى في غير الصّورة بالإجماع المركّب و عدم القول