بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٨٧
مخصّصا للاستصحاب فما ذكره رحمه الله يرجع إليه عند التّحقيق و أمّا ما
استشهد لمنع الإجماع من عمل جمهور المتأخّرين بالاستصحاب في المفقودإلخ
ففيه أنّه لا دخل له بالمقام فإنّ الكلام فيما إذا قام الدّليل في مورد
الاستصحاب و الأخبار المذكورة ليست بأدلّة في مقابل استصحابحياة المفقود
فإنّها تثبت حكما ظاهريّا مثل عموم ما دلّ على عدم جواز نقض اليقين بالشّك
فهي أيضا من الأصول كالاستصحاب فعلىهذا لا بدّ من الاستشهاد بتقديم قاعدة
الشّك بعد الفراغ على الاستصحاب و غيرها من القواعد و الأصول و إنّما
الدّليل المقابل لهما قام على موت زيد كالبيّنة و نحوها فهل ترى أحدا قدم
الاستصحاب على البيّنة المعتبرة على الموت و بالجملة الأخبار المذكورةأخصّ
مطلقا من الاستصحاب من حيث كون مفادها حكما ظاهريّا في بعض موارد عموم لا
تنقض فمن بنى على اعتبار الأخبار قدّمها علىالاستصحاب من حيث التّخصيص و
من لم يبن علي اعتبارها بل طرحها من حيث ضعفها فيعمل بالعموم المذكور من
حيث سلامته عنالمخصّص و منه تعرف إيراد آخر على ما ذكره رحمه الله فإنّه
على فرض تسليم كون الأخبار المذكورة من الأدلّة نقول إنّ وجه عدم عملهم بها
ليسمن جهة ترجيح العموم عليها عندهم بل من جهة طرحهم للأخبار المذكورة و
منه يعرف فساد ما قد يقال في توجيه ما ذكره المحقّقالقميّ من أنّ الظّاهر
من الأخبار المذكورة اعتبار الظّن الحاصل من الفحص عند الشارع فيكون
الأخبار أدلّة في مقابل الاستصحاب وجه الفسادعلى فرض تسليم ما ذكر ما عرفت
من أنّ عدم تقديمهم إنّما هو لأجل ضعف الأخبار عندهم لا من جهة ترجيح
الاستصحاب عليها هذافتلخّص ممّا ذكرنا أنّ المختار هو الشّق الثّاني من
الشّقوق الّتي ذكرنا و إثباته لا يتوقّف على ثبوت الإجماع مع أنّه لا إشكال
في ثبوتههذا و أمّا
ما أورد عليه الفاضل النّراقي فلما عرفت غير مرّة أنّ الاستصحاب بناء على
القول باعتباره من باب الأخبار ليس إلاّنفس مفاد الأخبار و ليس هو بنفسه
دليلا و الأخبار دليل عليه كما زعمه بعض السّادة الأجلاّء فيما عرفت من
كلامه ثمّ
على تقديرتسليم تغايرهما كآية النّبإ بالنّسبة إلى آحاد أخبار الآحاد يرد
عليه أنّ مفاد أخبار الاستصحاب أيضا مفاد الأصل فلا يمكن أن يعارضدليلا
فإذا فرض ورود أخبار معتبرة على البناء على موت المفقود بعد الفحص أربع
سنين لم يكن أيضا حاكمة عليها كما أنّ الاستصحابلا يكون حاكما عليها هذا
مضافا إلى عدم معنى محصّل لضمّ الأخبار بالاستصحاب و بالجملة لم يظهر معنى
محصّل لما ذكره أيضا هذا ولكن وجّه الأستاذ العلاّمة دام ظلّه ما ذكره
المحقّق القميّ بأنّ ما أورده على من اشترط في العمل بالاستصحاب عدم
الدّليل علىالخلاف لعلّه كان مبنيّا على ظاهر كلامه في النّظر الابتدائي
فإنّ الظّاهر من التّعارض الّذي ذكره هو التّعارض مع عموم لا تنقض
فعليهيكون ما ذكره في غاية الوجاهة كما هو ظاهر لا ما استظهرنا من كون
مراده من الدّليل هو القائم على خلاف الحالة السّابقة أي على نفسالواقع لا
الواقع المشكوك هذا و لكنّك خبير بأنّ التّأمّل في كلامه يعطي كون مراده
ما استظهره الأستاذ العلاّمة لا ما يظهر منهفي بادي النّظر فالإيراد
متوجّه عليه ثمّ
إنّه كما يرد النّقض عليهما كذلك يرد النّقض على المشترط أيضا زيادة على
ما عرفت فيالتّوجيه من ظهور كلامه في عدم المعارض لعموم لا تنقض فإنّك قد
عرفت أنّه لا معنى للحكم بوجود المعارض في المقام حسب ما هو صريح
مقالتهبعد ما عرفت من كون الدّليل حاكما على الاستصحاب فتأمّل في وجه توصيف الدّليل بالاجتهاد و الأصل بالفقاهة
قوله
ثمّ المراد بالدّليل الاجتهادي إلخ(١)
أقول
فيكون الدّليل الفقاهتيعلى ما ذكره دام ظلّه هو ما انتفى فيه أحد القيدين
فالأصول بأسرها أدلّة فقاهتيّة و إن أفادت الظّن في بعض الموارد
كالاستصحابفي الشّك في وجود الرّافع في وجوه الفرق بين الدّليل الاجتهادي و الفقاهتي
ثمّ
إنّه لا إشكال فيما ذكره من الفرق المفهومي بين الدّليلين إلاّ أنّ الكلام يقع في مواضع أحدها
في وجه تسمية الأوّل بالدّليل الاجتهادي و الثّاني بالفقاهتي فنقول إنّ
الوجه فيها يعلم بالمناسبة الّتي ذكروها في تعريف الاجتهاد بأنّهاستفراغ
الوسع في تحصيل الظّن بالحكم الشّرعي و تعريف الفقه بأنّه العلم بالأحكام
الشّرعيّة الفرعيّة بناء على كون المراد من الأحكامالأعمّ من الأحكام
الظّاهريّة فإنّ تحصيل الظّن المعتبر بالحكم الشّرعي لا ينفكّ عن العلم
بالحكم الظّاهري كما هو واضح فالدّليل الاجتهاديلمّا كان ناظرا إلى الواقع
و يحصل الظّن منه به و لو نوعا سمّي بالدّليل الاجتهادي و أمّا الأصل
فلمّا لم يكن مناط اعتباره حصول الظّنمنه و إنّما الحاصل ممّا دلّ عليه
العلم بالحكم الظّاهري فلذا سمّي بالدّليل الفقاهتي فإنّ الدّليل الاجتهادي
و إن كان يحصل منه العلمبالحكم الظّاهري أيضا إلاّ أنّه لمّا كان فيه جهة
الكشف عن الواقع لا محالة و أرادوا الفرق بينه و بين الأصول في تسمية
الدّليل فلذاسمّوا الدّليل بالاجتهادي و الأصل بالفقاهتي ثانيها
أنّ ما ذكر من التّعريف للدّليل الاجتهادي و الفقاهتي و إن كان
ظاهرهالاختصاص بما إذا كان موردهما الحكم النّفس الأمري الفرعي إلاّ أنّ
الأمر ليس كذلك قطعا بل يعمّه و ما إذا كان موردهما الحكم الأصوليفلو قام
الدّليل على حجيّة شيء واقعا سمّي دليلا اجتهاديّا كما أنّه لو ثبت حجيّة
شيء بالاستصحاب مثلا كان دليلا فقاهتيّا و هذا ظاهر