بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٢٧
الرّياء و نحوها من الضّمائم لا دلالة للآية على وجوب قصد التّقرب عليهم في كلّ واجب فإنّ الحصر إنّما هو باعتبار القيد لا القيد و المقيّدمعا فيصير المحصّل منها أنّهم ما أمروا بإيقاع العبادة بوجه من الوجوه إلاّ على وجه الإخلاص فالآية إنّما تدلّ على وجوب الإخلاصعليهم في كلّ عبادة لا على كون كلّ ما أمروا به عبادة يجب فيها قصد التّقرب كما هو مراد الأكثر حسب ما نسب إليهم نعم الآية بهذاالبيان تدلّ على اعتبار الإخلاص في العبادة على ما عليه الاتّفاق ظاهرا في الجملة نعم لو كان المراد الحصر بالنّسبة إليهما جميعا بمعنى عدمأمرهم بشيء إلاّ بالعبادة و عدم أمرهم بإيقاعها على وجه إلاّ على وجه الإخلاص لم يكن إشكال في دلالتها على المطلبين مع الغضّ عمّاعرفته أوّلا لكن إثبات هذا المعنى في غاية الإشكال بل الظّاهر من الآية خلافه كما لا يخفى و أمّا ثالثا فلأنّه على فرض تسليم كوناللاّم للغاية و جعل المراد من العبادة و الإخلاص بالمعنى المذكور في تقريب الاستدلال نقول إنّه لا دلالة للآية على المدّعى أيضا لأنّالمحصّل منها على هذا التّقدير أنّهم ما أمروا في الشّريعة السّابقة بشيء من الأشياء إلاّ لغاية عبادة اللّه على وجه الإخلاص بمعنى أنّالغاية في نظر الشّارع في أمرهم بها هو ترتّب عبادة اللّه على وجه الإخلاص على إتيانهم بها لما فيها من المصالح المقتضية لتكميلنفوسهم الموجبة لذلك و هذا المعنى كما ترى لا دخل له بوجوب قصد القربة عليهم في كلّ واجب بل لا ينافي كون جميع الواجبات فيشريعتهم توصّليّا لا يشترط فيها قصد التّقرب أصلا إذ حاصل المعنى المذكور يرجع إلى أنّ الفائدة في نظر الشارع في أمر الأمم السّابقةبالواجبات هي سببيّة فعلها للقرب إلى الواجب العقلي و هي عبادة اللّه بقصد التّقرب و هذا معنى ما تقرّر عند العدليّة أنّ الواجباتالسّمعيّة بأسرها لطف في الواجبات العقليّة من حيث إنّ فعلها من جهة ما يترتّب عليها يوجب القرب إلى فعل المحسّنات العقليّة و تركالمقبّحات العقليّة كما قضى به قوله جلّ شأنه و عزّ اسمه إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و بما عرفت ينبغي أن يفسّر القضيّة المعروفةلا بما قد يرتكبه المتعسّف الخالي عن التّأمّل من أنّ معناها كون فعل الواجبات السّمعيّة موجبة للوصول إلى ما فيها من المصالح المقتضيةلإيجاب الشارع الفعل بحكم العقل من باب كونه حكيما لطيفا إذ نفس ما في الفعل ليس طاعة و معصية حتّى يكون الفعل المحصّل له لطفا مع أنّمعنى اللّطف هو القرب لا الوصول كما لا يخفى فإن قلت كيف يجامع هذا المعنى مع قوله تعالى أخيرا و يقيموا الصّلاة الآية مع أنّ إقامةالصّلاة و إيتاء الزّكاة ليستا من الواجبات العقليّة على أنّ المقصود من الآية هو الإخبار عن كونهم مأمورين بها لا كونها فائدة للأمربواجباتهم قلت أوّلا يمكن القول بكون الصّلاة واجبا عقليّا لما فيها من التّضمّن لشكر المنعم فتدبّر و ثانيا أنّه ليس اللاّزم فيماذكرنا كون فعل الواجب أوّلا و بالذّات موجبا للقرب إلى الواجب العقلي بل يكفي فيه مجرّد إيجابه القرب إليه و لو بواسطة إيجابه القربإلى واجب سمعيّ يوجب القرب إلى الواجب العقلي على ما صرّح به جماعة هذا و أمّا ما ذكر أخيرا من عدم مناسبة جعل اللاّم للغايةلذيل الآية ففيه أنّه ردّ لا مخلص عنه إلاّ أنّه لا دخل له بما ذكرنا إذ ما ذكر إيراد على أصل الاستدلال بالآية على ما عرفته منّا و كلامنامبنيّ على الغضّ عمّا أوردنا أوّلا و ثانيا فإن قلت إذا فرضت كون التعبّد غاية في كلّ ما وجب عليهم فيجب تحصيلها فيه لأنّ تحصيلما هو الغرض للشّارع في الأوامر واجب كنفس الإتيان بالواجب فإذا ثبت وجوب قصد القربة في كلّ واجب ثبت بحكم الإجماع علىعدم وجوب قصد القربة مستقلاّ أنّه كان شرطا في صحّة كلّ واجب عليهم فيثبت المطلوب قلت ما ذكرته إنّما يصحّ فيما إذا كانتالغاية من الأفعال المقدورة للمكلّف المتوقّف حصولها على إتيانها لا ما إذا كانت من الأمور المترتّبة عليه قهرا كما في المقام فإنّ غايةالواجبات ليست نفس التّعبّد بل هو القرب إليه الّذي يعبّر عنه باللّطف في لسانهم و من المعلوم أنّ ترتب هذا المعنى على فعل الواجباتأمر قهريّ لا دخل لاختيار المكلّف فيه أصلا كما لا يخفى فإن قلت ما ذكرته إنّما يصحّ على تقدير تسليم كون امتثال أمر اللّه تبارك وتعالى واجبا عقليّا في كلّ واجب حتّى التّوصّليّات و من المعلوم أنّ العقل لا يحكم بوجوب هذا المعنى في التّعبّديات الّتي تثبت اشتراط صحّتهابقصد القربة فضلا عن التّوصّليات غاية الأمر حكمه بوجوب الإتيان بالتّعبّديات بداعي التخلّص عن العقاب و الفرار عنه و من المعلوم أنّ هذا المعنىغير التّعبّد على وجه الإخلاص قلت الّذي يحكم به العقل هو وجوب إطاعة اللّه تعالى في كلّ واجب على ما هو قضيّة قوله تعالى أطيعوااللّه و أطيعوا الرّسول فإنّه لا اختصاص لحكم العقل و الشّرع بوجوب الإطاعة بالواجبات التّعبّدية بل يشملها و التّوصّلية قطعا و منالمعلوم أنّ الإطاعة و الامتثال لا يتحقّق بدون التّقرب و ليس المراد من التّقرب هو الإتيان بما أمر به اللّه تعالى من حيث كونه مستحقّاللعبوديّة لأنّ هذه المرتبة من المراتب الّتي لا يحكم العقل و الشّرع بوجوبها قطعا و لا يشترط في صحّة العمل جزما لأنّه لا يمكن تحصيلهإلاّ للأولياء بل هو مجرّد الإتيان بما أمر به لداعي التّقرب إليه و لو من جهة الفرار عن مؤاخذته لكفاية هذا المعنى في تحقّق الامتثال