بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١١٩
بالفصل و فيه أيضا أنّ حكم العقل بالتّعيين في صورة وحدة المرجع بالعرض
إنّما هو من جهة انحصار الكلّي في الفرد و عدم إمكان الرّجوعإلى غيره لعدم
وجود موضوعه بالفرض و هذا المناط قد ارتفع في الزّمان الثّاني قطعا فكيف
يمكن استصحاب التّعيّن و عدم جواز العدولمع أنّه لو كان المناط موجودا لم
يجز التّمسك بالاستصحاب أيضا للقطع ببقاء الحكم و منها
ما عرفت عن بعض فيما تقدّم من التّمسك باستصحابعدم وجوب الأجزاء المنسيّة
بعد التّذكر الثّابت في حال النّسيان فيكون حكمه حكم الشّك في الإتيان
بالجزء بعد تجاوز المحلّ لا قبله هذاو فيه ما عرفت من أن حكم العقل بعدم
وجوب الجزء عليه في حال النّسيان و كونه معذورا في تركه إنّما هو من جهة
عدم قابليّته لتوجّهالخطاب إليه و هذا المناط مرتفع في صورة التّذكر قطعا
فمقتضى حكم العقل لزوم الإتيان به عند التّذكر ليحصل المطلوب الواقعي نعم
لو قام دليل على اختصاص جزئيّته بحال التّذكّر أو ادّعي اختصاص الأدلّة
المثبتة للجزئية بها كما ادّعاه بعض أو احتمل ذلككان هنا كلام آخر لا دخل
له بالاستصحاب و قد مضى تفصيل القول فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الثّاني
من التّعليقة عند التّكلّم في فروعمسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر و منها
ما تمسّك به بعض الأفاضل ممّن تأخّر لإثبات صحّة عبادة الجاهل المركّب
مناستصحاب عدم وجوب الواقع عليه بعد الالتفات الّذي كان ثابتا قبله بحكم
العقل بقبح تكليفه و فيه
أنّ العقل إنّما حكم بقبح توجيهالتّكليف الواقعي إليه من جهة غفلته عنه و
عدم قابليّة له لا رفع التّكليف عنه في الواقع و إلاّ فيلزم التّصويب
الباطل عند أهلالصّواب مضافا إلى ما عرفت مرارا من عدم إمكان أخذ العلم في
التّكليف الواقعي فلازم بقاء الأمر الواقعي وجوب امتثاله بعد
ارتفاعالغفلة عنه مع أنّه لو حكم العقل برفع التّكليف الواقعي عنه لم يكن
معنى لاستصحابه أيضا كما لا يخفى قوله
و أمّا الثّالث فلم يتصوّر فيهالشّك إلخ(١)
أقول
لعلّ المراد هو الشّكّ البدوي و إلاّ فقد عرفت أن الشّك في حكم العقل غير
متصوّر في مورد من الموارد حتّى في المثالينالأوّلين لأنّ العقل إمّا يحكم
بقبح الأوّل و حسن الثّاني مطلقا أو يحكم بهما بشرط عدم الاضطرار و الخوف و
على كلّ تقدير لا معنىللشّك كما هو ظاهر و القول بأنّه يحكم بهما في
الجملة و المتيقّن منه ما لم يكن هناك خوف و اضطرار قد عرفت فساده بما لا
مزيد عليهو أنّه لا يتصوّر الإهمال في موضوع الحكم في نظر الحاكم نعم
قد يتصوّر الشّك في الحكم الشّرعي في المثالين من جهة الشّكّ في عروضما
يرتفع معه موضوع الحكم حقيقة كالاضطرار مثلا لكنّه لا تعلّق له بالشّك في
حكم العقل بل و لا في حكم الشارع في موضوعه و هكذا الحال فيالمثال الثّالث
فإنّه لا يخلو إمّا أن يقول بأنّ الشّرط في تنجّز التّكليف عند العقل هو
العلم التّفصيلي بحيث يكون دائرا مداره ففي صورةعدم حصوله لا معنى لتنجّز
التّكليف سواء كان هناك علم إجمالي أو لا أو يقول بأنّ الشّرط فيه عنده هو
الأعمّ من العلم الإجمالي و التّفصيليحسب ما هو قضيّة التّحقيق فلا يعقل
شكّ في بقاء الشّرطيّة على كلّ تقدير نعم
ربما يستصحب نفس التّكليف المعلوم بالإجمال بعد الإتيانببعض أطراف العلم
الإجمالي و لكنّه لا دخل له بالاستصحاب في الحكم العقلي لأنّه استصحاب في
الحكم الشّرعي مع أنّك قد عرفت عدم جريانهأيضا على بعض التّقادير و الوجوه
و هذا الّذي ذكرنا من استصحاب التّكليف المعلوم بالإجمال في صورة الإتيان
ببعض أطرافه هو الّذيوقع في كلام جماعة و نبّه الأستاذ العلاّمة على فساده
فيما سيأتي لا استصحاب التّكليف المعلوم بالتّفصيل فيما صار معلوما
بالإجمال فإنّهلم يقع في كلام أحد و لم ينبّه الأستاذ العلاّمة على فساده
أيضا في طيّ كلامه و إن كان فساده واضحا على تقدير وقوع التّوهم فيه كما لا
يخفىضرورة كونه استصحابا في الحكم الشّرعي أيضا مع أنّ المراد به إن كان
هو الحكم الواقعي فلا يتصوّر الشّك في بقائه و إن كان الحكم الفعليفيتبع
حكم العقل بشرطيّة العلم للتّنجز من حيث الإطلاق أو الاشتراط فلا يتصوّر
الشّك فيه أيضا هذا فالعبارة كما ترى لا تخلو عن مناقشة التنبيه الرابع في الاستصحاب التعليقي
قوله
توضيح ذلك أنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السّابق بالفعل إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أن المستصحب قد يكون موضوعا و قديكون حكما و على الأوّل لا
يخلو إمّا أن يكون الحكم المترتّب على استصحابه ممّا كان موجودا معه في
الزّمان السّابق وجودا منجّزا فعليّا و إمّا أنيكون مترتّبا على وجوده في
الزّمان الّذي أريد استصحابه فيه بحيث يكون للزّمان المذكور مدخليّة فيه
فيمكن فرض وجود تقديريّ لهذاالحكم في الزّمان السّابق مع المستصحب و هو
كثير جدّا كاستصحاب حياة العبد الغائب مثلا في عيد رمضان لإثبات وجوب فطرته
و استصحابحياة الوارث عند موت مورثه إلى غير ذلك و على الثّاني لا يخلو
أيضا إمّا أن يكون له وجود فعليّ منجّز مطلق لا تعليق فيه أصلا و إمّا
أنيكون له وجود على بعض التّقادير و على بعض الوجوه لا إشكال في جريان
الاستصحاب في الشّق الأوّل من القسمين بل لا خلاف فيه إنّما الإشكال
والخلاف في الشّق الثّاني من القسمين الّذي يسمّى استصحابه بالاستصحاب
التّعليقي و التّقديري في لسان جمع من مشايخنا هذا و لكن لا يبعد أنيكون
هذا الاصطلاح منهم مختصّا بالشّق الثّاني من القسم الثّاني لأنّ المستصحب
فيه من الشّق الأوّل لا تعليق فيه أبدا غاية ما هناك