بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٨
دام ظلّه بوجوه أحدها ما ذكروه في باب الإقرار من أنّه لو قال شخص بأنّه لو أخبر فلان باشتغال ذمّتي لفلان بكذا مثلا كان قوله حقّاكان إقرارا مع عدم وجود الخبر المعلّق عليه نعم منع جماعة من العامّة من كونه إقرارا من جهة احتمال كونه من باب التّعليق على المحالفنقول في المقام أيضا أنّه إذا أوجب الشّارع تصديق العادل على تقدير إخباره وجب الحكم بوجوب العمل على خبره التّقديريهذا و فيه ما لا يخفى لوضوح فساد قياس المقام بالإقرار فإنّ الحكم بكون قول المخبر في الفرض المزبور إقرارا إنّما هو من جهة عدم معقوليّةتأثير المعلّق عليه في اشتغال ذمّته و من هنا يحكم عليه على تقدير تعليقه اشتغال الذّمّة على غير الإخبار أيضا إذا كان ممكن الحصول كمجيءزيد و ركوب عمرو و قيام خالد إلى غير ذلك و هذا بخلاف المقام فإنّ الحجّة فيه الخبر الغير الصّادق على الفعل قطعا و الحكم بوجوب تصديقالعادل على تقدير الإخبار لا يعقل أن يقتضي وجوب تصديقه قبله و إلاّ لزم انفكاك المحمول عن الموضوع و تقدّمه عليه و هو محالو بالجملة القياس المذكور ممّا لا ريب في عدم استقامته ثانيها ما ورد في بعض الأخبار من أنّ من ثمرات العدالة أنّ اللّه تبارك و تعالىجعل من اتّصف بها مقبول القول في الدّنيا و مستحقّ الجنّة في الآخرة فإنّ الظّاهر منه كون سماع القول في الدّنيا أجرا للعادلمن جهة عدالته و من الظّاهر أنّه من جهة احترام العادل الحاصل بالبناء على تصديقه في اعتقاده و لا دخل لخصوص لفظه فيه أصلاهذا و فيه أيضا ما لا يخفى لأنّ الخبر على تقدير العمل به كسائر ما ادّعي دلالته على حجيّة خبر العادل كآية النّبإ و غيرها و دعوىكون المراد منها إيجاب تصديق العادل في اعتقاده بأيّ طريق انكشف في محلّ المنع ثالثها ما عليه اتّفاقهم ظاهرا في باب الأجيرفي الحجّ و غيره من العبادات من أنّه إذا كان عادلا و علم من حاله أنّه يخبر بوقوع الفعل منه صحيحا لو سئل منه اكتفى في براءة ذمّةالوصيّ و الوليّ و غيرهما و لا يشترط الإخبار الفعلي و ليس ذلك إلاّ من جهة كون الإخبار الثّاني منه حجّة لا خصوص الإخبار الفعلي و ليسهذا إلاّ من جهة وجوب تصديق اعتقاده و فيه أنّ حكمهم بذلك لم يعلم كونه من جهة ما ذكر فلعلّه كان من جهة أصالة الصّحة في فعلهكأخذه الأجرة و التّصرّف فيها و لو فرض عدم فعل منه أصلا لكان اتّفاقهم في خصوص المقام قاضيا بوجوب الحكم به و لا يجوز التّعديعنه إلى غيره فتدبّر و قد مضى بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام في طيّ كلماتنا السّابقة فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا دليل يعتدّ بهفي إثبات كون الأصل في اعتقاد من ثبت حجيّة خبره الحجيّة بأيّ طريق انكشف ثمّ إنّه يتفرّع على ثبوت الأصل المذكور فروعأحدها الحكم بعدالة من اقتدى به الغير في الصّلاة الّتي لا يجوز الاقتداء فيها بغير العادل لا كالصّلاة على الميّت أو عمل غير الصّلاةبالنّسبة إلى شخص من الأعمال المشروطة بالعدالة فإنّه بناء على الأصل المذكور يحكم بعدالته بمجرّد ذلك لكن هذا مبنيّ على عدمكون المناط في العدالة حصول الظّن بها من أيّ سبب حصل و إلاّ فلا إشكال في جواز الاكتفاء به باقتداء من يحصل الظّن من ائتمامهو لو كان فاسقا ثانيها الحكم بدخول الوقت من جهة صلاة عدلين معتقدين بدخول الوقت بناء على اعتبار إخبارهما بالدّخول كما هوالظّاهر ثالثها الحكم باعتبار تعديلات أهل الرّجال كالكشّي و النّجاشي و الشّيخ قدس أسرارهم لرجال الحديث فإنّه بناء على اعتبار كلّ ما يكشفعن الاعتقاد بكون كتابهم مرجعا بلا إشكال نعم قد يدّعى الإجماع على اعتبار تعديلاتهم مع قطع النّظر عن ثبوت الأصل المذكور إلىغير ذلك من الفروع الّتي يستخرجها المتأمّل المتدبّرالكلام في القرعة و شرح القول فيها قوله في القرعة و تفصيل القول فيها يحتاج إلى بسط لا يسعه الوقت(١)أقول الكلام في القرعة قد يقع في أنّها من الأمارات أو الأصول و قد يقع على تقدير كونها من الأصول في حكم تقابلها مع الاستصحاب و غيرهمن الأصول و قد يقع في تشخيص موارد جريانها من حيث عمومها لكلّ مشكل أو اختصاصها بالمشتبه فلا يجري فيما إذا لم يكن هناك واقعمجهول و من حيث اختصاصها بالشّبهة الموضوعيّة الصّرفة أو يعمّ كلّ مشتبه و قبل الخوض في المطلب ينبغي الإشارة إلى ما يدلّ علىمشروعيّة القرعة فنقول أمّا أصل مشروعيّة القرعة فهو ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين بل إجماعهم عليه بحيث لا يرتاب فيه ذو مسكةو يكفي في القطع بتحقّق الإجماع ملاحظة الإجماعات المتواترة المنقولة في ذلك من زمان الشّيخين إلى زماننا هذا كما هو واضح لمن راجعإلى كلماتهم بل يمكن دعوى الضّرورة الفقهائيّة عليه و يدلّ عليه قبل الإجماع الكتاب و السّنة أمّا الكتاب فقد قال اللّه سبحانهفي بيان أحوال يونس النّبي عليه السلام فساهم فكان من المدحضين أي فقارع فصار من المغلوبين بالقرعة و أصل المدحض الزّلق روي أنّيونس لمّا أوعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره اللّه فركب في السّفينة فوقف السّفينة فقالوا هنا عبد أبق من مولاهفأقرعوا فخرجت القرعة على يونس فرموه و رمى بنفسه في الماء فالتقمه الحوت و قد ورد في بعض الأخبار احتجاج الإمام عليه السلام بالآية على مشروعيّةالقرعة كما ستقف عليه و قال سبحانه و ما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم و أمّا السّنّة فقد بلغت حدّ التّواتر