بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٥
أصالة عدم وجود السّبب الشّرعي و أصالة الصّحة إذ من المعلوم عدم تدافعها لما دلّ على كون الموجود في الخارج سببا و يقتضي سببيّتهلأنّ ما يدلّ على سببيّة الموجود حاكم على ما يدلّ ظاهرا على عدم وجود السّبب الشّرعي نظير حكومة ما يدلّ على مانعيّة المذي مثلا علىاستصحاب عدم وجود الرّافع للطّهارة لو فرض ثمّة ما يدلّ عليها فإن قلت ما يقضي بعدم وجود السّبب يقضي بعدم سببيّة الموجودأيضا و كونه من أفراد غير السّبب لعدم تعقّل التّفكيك بينهما فهو يعارض بهذا الاعتبار ما يقضي بسببيّته قلت عدم التّفكيكبين العدمين و إن كان مسلّما إلاّ أنّ تلك الملازمة إنّما جاءت من حكم العقل لا من حكم الشّرع فهو كرّ على ما فرّ منه و لا يجوز إجراء الأصلأي استصحاب العدم بالنّسبة إلى نفس الفعل الموجود بأن يقال الأصل عدم صدوره من بالغ مثلا لأنّه يرد عليه مضافا إلى إمكان منع أصلجريانه أنّه لا يقضي بكون البيع المفروض صادرا عن غير البالغ لوجهين أحدهما كونه أصلا مثبتا كما هو واضح ثانيهما كونه معارضا بأصالةعدم صدوره عن غير البالغ هذا كلّه مضافا إلى أنّه لو بني على تلك الملاحظة لزم الحكم باقتضاء أصالة الفساد أيضا لكون العقد الخارجيصادرا عن غير البالغ مثلا و هو كما ترى لأنّا نقول إثبات كون البيع هو البيع الصّادر عن غير البالغ باستصحاب عدم بلوغ البائعبعد فرض العلم بصدور العقد عنه ليس من التّعويل على الأصل المثبت لعدم واسطة في البين و لو فرض ثمّة واسطة فلا ريب في كونها منالوسائط الخفيّة الغير المانعة عن التّعويل على الأصل لإثبات الحكم المترتّب عليها على ما عرفت تفصيل القول فيه في طيّ كلماتنا السّابقةو بالجملة ليس التّمسك باستصحاب عدم البلوغ لإثبات كون البيع متّصفا بكونه عن غير البالغ و مقيّدا به إلاّ كالتّمسّك بالاستصحابات العدميّةلإثبات القيود العدميّة للموضوعات الوجوديّة الّتي تكون كلماتهم مشحونة بها كما يعلم من الرّجوع إليها كاستصحاب عدم صدور الكبيرة ممّن علمبوجود ملكة العدالة له بناء على أنّ العدالة هي الملكة مع عدم صدور الكبيرة فعلا و كأصالة عدم تعلّق حقّ الغير بالمال الّذي يراد صرفهفيما يكون تعلّق حقّ الغير به مانعا عنه إذا شكّ في تعلّقه به و كأصالة عدم تغيّر الماء بالنّجس فيما شكّ في تغيّره به و كأصالة عدم الفسقفي العالم إذا أمر بإكرام العالم الغير الفاسق إلى غير ذلك من الأمثلة و النّظائر هذا ملخّص ما يقال في توجيه الوجه الثّالث في أنّ الأصل المذكور غير خارج عن الأصل المثبت و لكنّكخبير بما فيه أمّا أوّلا فلأنّ دعوى خروج الأصل المذكور عن الأصول المثبتة ممّا لا وجه له أصلا لأنّ كون العقد صادرامن غير البالغ ليس من الأحكام الشّرعيّة لعدم بلوغ البائع و قد مرّ الكلام في نظائره في طيّ كلماتنا السّابقة و الحاصل أنّ أصالة عدمالبلوغ إنّما يقتضي ترتّب الآثار الشّرعيّة المترتّبة على عدم بلوغه بلا واسطة و لا يشخّص حال الموجود الخارجي و كونه مقيّدا بمجراه و أمّاتمسّك الأصحاب بأمثال الأصل المذكور و نظائره في أبواب الفقه فإنّما هو من جهة بنائهم على اعتبار الأصول المثبتة في الجملةو أمّا ثانيا فلأنّه و إن سلّم عدم المانع في إثبات كون العقد صادرا عن غير البالغ من جهة استلزامه التّعويل على الأصل المثبتأمّا من جهة منع الواسطة أو خفائها و أمّا من جهة القول باعتبار الأصول المثبتة إلاّ أنّا ندّعي وجود المانع له من جهة أخرى و هوأنّ الفساد ليس من آثار العقد الصّادر من غير البالغ و من الأحكام المترتّبة عليه حتّى يمكن إثباته لترتّبه عليه و إن فرض له أثر آخر غيرالفساد كما أنّ الصّحة من أحكام العقد الصّادر من البالغ و من المعلوم ضرورة أنّ الموضوع الّذي لا يترتّب عليه الأثر الشّرعي أصلا لايمكن إثباته بالأصل لأنّ معنى الحكم بثبوت الموضوع ظاهرا ليس إلاّ جعل أحكامه في الظّاهر على ما عرفت الإشارة إليه غير مرّة و كذاالموضوع الّذي لا يترتّب عليه أثر خاصّ لا يمكن إثباته لترتيب هذا الأثر لفرض عدم كونه أثرا له فلا يعقل تعلّق الخطاب الشّرعي بالالتزامبثبوت الموضوع بالنّسبة إلى هذا الأثر كما هو واضح و إن أمكن الحكم بوجوده بالنّسبة إلى الأثر المترتّب عليه لو فرض الأمر كذلكو التّفكيك لا محذور فيه إذا كان مبناه على الظّاهر كما هو ظاهر و هذا هو المراد بما أفاده دام ظلّه لأنّ عدم المسبّب من آثارعدم السّبب لا من آثار ضدّه و إن فرضنا أنّه يترتّب عليه آثار أخر حيث إنّ عدم جواز إثبات الضّد بناء على اعتبار الأصل المثبتمن جهة عدم ترتّب الفساد عليه و إن فرض له أثر شرعيّ غيره حكم به من جهة ترتّب الحكم المذكور بناء على القول المذكور لا مطلقا فماأفاده مبنيّ على الإغماض عن مذهب الحقّ من عدم اعتبار الأصل المثبت و أمّا الوجه في عدم ترتّب الفساد على العقد الصّادر منغير البالغ فهو أنّ الفساد عبارة عن عدم ترتّب الأثر كما أنّ الصّحة عبارة عن ترتّبه فإذا استندت الصّحة إلى شيء فلا بدّ من أن يستندالفساد إلى نقيضه لا إلى ضدّه ضرورة أنّ عدم المسبّب مستند إلى عدم السّبب بناء على القول بكون الأعدام معلّلة لا إلى ضدّهفإذا استندت الصّحة إلى العقد الصّادر من البالغ فلا بدّ من أن يستند الفساد إلى عدم صدور العقد عن البالغ الّذي هو نقيض صدورهعن البالغ إلى صدوره عن غير البالغ الّذي هو ضدّ صدوره عن البالغ فإذا لم يترتّب الفساد على العقد الصّادر من غير البالغ فلا معنى لإثباته