بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٢٥
عليه و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا مانع من الرّجوع إلى الأصل هذا كلّه لو
كان المراد هو المعنى الثّاني و إن كان المراد المعنى الثّالث أي
نسخالجميع باعتبار وجوب الالتزام ففيه أوّلا المنع من كون مقتضى التّدين
بدين نبيّ وجوب الالتزام بكلّ حكم جاء به من حيث إنّه جاء به و إنّما
الّذييجب على المكلّف الالتزام بحكم اللّه الّذي علم به من قول أيّ نبيّ
كان لأنّ قول الرّسول طريق إلى الأحكام الواقعيّة كحكم العقل و من
المعلومأنّ جهة الطّريقيّة لا يقتضي أخذها في الحكم المترتّب على ذي
الطّريق و بالجملة مقتضى كون قول الرّسول طريقا عدم وجوب الالتزام بهمن
حيث هو هو و عدم كونه ناسخا لقول الرّسول السّابق عليه بهذا الاعتبار كيف و
قد ورد في حقّ عيسى بن مريم عليه السلام أنّه قال لأمّته إنّيما جئت إلا
لأكمل شريعة موسى عليه السلام و لا ينافي ذلك وجوب تصديق النّبي صلى اللَّه
عليه و آله بالنّسبة إلى جميع ما ثبت منه أصلا و فرعا و الالتزام به
منحيث إنّ الالتزام بكونه حكم اللّه عين تصديقه كما هو ظاهر و ثانيا
سلّمنا ذلك لكن نقول إنّا نثبت بالاستصحاب كون الحكم عند نبيّنا صلى الله
عليه و آله على طبق الحكم عند النّبي السّابق سواء كان اعتبار الاستصحاب من
باب الظّن أو التّعبّد أمّا
على الأوّل فلأنّه يظنّ بالاستصحاب ببقاء الحكمالسّابق في شريعتنا و أمّا
على الثّاني فلأنّ المستفاد من الأخبار هو الحكم كليّة بإبقاء ما ثبت في
السّابق فالثّابت في الشّريعة السّابقةحكم ظاهريّ في شريعتنا بمقتضى
الأخبار هذا و لكن يمكن أن يورد على ما ذكرنا بأنّ بعد تقيّد جميع الأحكام
في الشّريعة السّابقة بالقيدالمذكور يكون الثّابت في شريعتنا مثله لا محالة
لا عينه لاستحالة ذلك فلا معنى لإجراء الاستصحاب التغيّر الموضوع قطعا هذا
و يمكنالتّفصّي عنه بأنّ المستصحب ليس هو الحكم المقيّد بالقيد المذكور و
إنّما هو ذات المقيّد أي حكم اللّه الكلّي مع قطع النّظر عن جميع
الخصوصيّاتو تقييده بالقيد المذكور ليس من خصوصيّاته المقوّمة له و إنّما
هو من لوازم العلم به من تبليغ النّبي السّابق هذا ملخّص ما ذكره دام
ظلّهفي مجلس البحث و ذكر أنّه المراد من قوله و لكن يدفعه إلى آخره و
المقام يحتاج إلى مزيد تأمّل في بيان معنى الذّاتي و المراد منه في الكلمات
قوله
و فيه أنّه إن أريد بالذّاتي إلخ(١)
أقول
توضيح ما ذكره دام ظلّه في الجواب عمّا ذكره الفاضل القمّي يحتاج إلى بيان
معنى الذّاتي و المراد منه في كلماتهم فنقول إنّ الذّاتي يطلقفي لسانهم
على معنيين أحدهما ما لا يمكن تخلّفه عن الشّيء عقلا بمعنى كون الذّات
علّة تامّة له و هذا هو المعروف في ألسنتهم ثانيهماما يكون الذّات مقتضيا
له و إن أمكن تخلّفه عنه من جهة الموانع و المزاحمات و لك أن تجعل القسمين
قسما واحدا بتعميم الاقتضاء بالنّسبةإلى الفعلي و الشّأني إذا عرفت هذا فنقول
إن كان المراد من الذّاتي في كلامه المعنى الأوّل حسب ما هو ظاهر إطلاقه
فلا إشكالفي عدم كون الحسن و القبح بالمعنى المذكور مبنى للاستصحاب في
الأحكام الشّرعيّة بل وقوع الاستصحاب في الأحكام الشّرعيّة مقتضي
لبطلانالحسن و القبح بالمعنى المذكور و لهذا أبطلوا القول به مطلقا لوقوع
النّسخ في الأحكام الشّرعيّة مع أنّ مقتضاه عدم جوازه على القولبعدم إمكان
البداء في حقّ الحكيم تعالى كما استقرّ عليه مذهب العدليّة بل على القول
به أيضا على بعض الوجوه إلاّ على القول بعدموجود الملازمة بين الحسن و
القبح و الحكم الشّرعي مطلقا الفاسد عند المحقّق القمّي قدس سره و هذا لا
سترة فيه أصلا و إن أريد به المعنىالثّاني ففيه أنّه لا فرق بين القول به و
القول بالوجوه و الاعتبار فإنّه إن كان ابتناء الحكم الشّرعي على الحكم
العقلي و تطابقهما مانعا عنجريان الاستصحاب بناء على الشّبهة الّتي عرفت
اندفاعها فلا معنى للفرق بينهما إذ كما يمكن ارتفاع الحسن الثّابت في
العقلمثلا ثبوتا ثانويّا بارتفاع الوجه الّذي هو الموضوع الأوّلي له
الصّادق على الفعل كذلك يمكن ارتفاعه على القول بكونه ذاتيّا
بالمعنىالمذكور بواسطة وجود المانع و المزاحم و إن لم يكن ابتناء الحكم
الشّرعي على العقلي مانعا فلا معنى للفرق بينهما أيضا كما لا يخفى هذا و
قديقال إنّ القول بتبعيّتهما للاعتبار أوضح في المانعيّة فتأمّل
مع أنّ إطلاق القول بتبعيّة الحسن و القبح للوجوه و الاعتبار ممّا لامعنى
له كما أوضحنا القول فيه فيما كتبناه في سالف الزّمان في مسألة التّحسين و
التّقبيح العقليّين و قد أشرنا إليه في الجزء الأوّل منالتّعليقة عند
التّكلّم في مسألة التّجري مع أنّه لو كان مانعا لمنع من استصحاب عدم
النّسخ في هذه الشّريعة أيضا و بالجملة ابتناء الاستصحابعلى مسألة
التّحسين و التّقبيح العقليّين و الأقوال في كيفيّة ثبوتها للأفعال ممّا لا
معنى له جزما ثمّ
إنّ هنا وجهين آخرينللقول بعدم حجيّة الاستصحاب بالنّسبة إلى الحكم الثّابت في الشّريعة الأوّل
أنّه لو جرى الاستصحاب في أحكام الشّريعة السّابقة لوجبالفحص عن حكمها في
كلّ مسألة من المسائل بالرّجوع إلى الكتب المنزلة على النّبي السّابق و هو
خلاف السيرة المستمرّة بين العلماء رض الثّاني
أنّه و إن كان الاستصحاب بحسب الموضوع محقّقا بالنّسبة إلى الأحكام
الثّابتة في الشّريعة السّابقة إلاّ أنّ الأخبار غيرمنصرفة إليه فلا يحكم
باعتباره من هذه الجهة و يمكن الجواب عن الأوّل بأنّ عدم الفحص عن الحكم في
الشّريعة السّابقة إنّما هو من جهةعدم وجود ما يرجع إليه في تحصيله لتغير
الكتب المنزلة الموجودة في أيدي أهلها فليس ما يتكفّل لبيان ذلك ممّا يجوز
الأخذ منه إلاّ