بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١١٧
التّصرف في مال الغير و وجوب ردّ الأمانة إلى أربابها نعم لا إشكال في جريان الاستصحاب في الأمر العدمي الّذي لم يكن مستندا إلىالقضيّة العقليّة و إن كانت في مورده كما في استصحاب عدم التّكليف الأزلي فإنّ العدم الأزلي قد يتصادق مع حكم العقل بالعدم أيضاكما في حقّ الصّغير الغير القابل للتّكليف الّذي يستقلّ العقل بعدم ثبوت التّكليف عليه من الشارع لقبح التّكليف في حقّه و ليس مستندا إليه لسبقهبالفرض عليه فحينئذ لا إشكال في جريان الاستصحاب في هذا الأمر العدمي لو لم يكن له مانع من جهة أخرى كعدم العلم ببقاء الموضوع كما قد يدعىبالنّسبة إلى الصّغير حيث إنّ عدم التّكليف الثّابت في حقّ الصّغير غير عدمه في حقّ الكبير لتباينهما موضوعا كما لا يخفى و عدم ترتب حكمعليه من حيث كون الحكم المقصود بالإثبات حكما عقليّا أو شرعيّا مترتّبا على الشّك فإنّه لا يجوز إجراء الاستصحاب حينئذ إمّا مطلقا أو بالنّسبةإلى الحكم المقصود بالإثبات و هذا لا يضرّ ما نحن بصدده من إثبات عدم إمكان جريان الاستصحاب في الحكم العقلي و ما هو مستند إليهمن الوجودي و العدمي دون ما لم يستند إليه بمعنى أنّه لا يكون فيه مانع من هذه الجهة و إن كان له موانع كثيرة من جهات أخر و هذا بخلافالأمر الوجودي فإنّه لا يمكن أن يكون في مورد حكم العقل مستندا إلى غير حكم العقل و منه يظهر الوجه في تخصيص استصحاب حال العقل باستصحابالبراءة الأصليّة فإنّ مرادهم ليس استصحاب حكم العقل بها من حيث الاستناد إليه بل استصحاب ما حكم العقل به أيضا في بعض أزمنة ثبوتهو اندفاع ما أورده عليهم بعض أفاضل من تأخّر من أنّ الحكم العقلي قد يكون وجوديّا و قد يكون عدميّا و قد يكون وضعيّا و قد يكونتكليفيّا فلا معنى لاختصاص جريان الاستصحاب في الحكم العقلي بالعدمي حيث إنّك قد عرفت أنّ مرادهم ليس استصحاب حكم العقل و إنّما هواستصحاب ما ثبت في مورد حكم العقل لا استصحاب حكم العقل حتّى يتوجّه عليه ما أفاده قدس سره نعم لو كان المراد ما هو الظّاهر منعبارة الكتب لتوجّه عليهم إيراده لكن عرفت أنّ مرادهم ليس على طبق ظاهره و أنّ المعنى المذكور لا يتصوّر بالنّسبة إلى الأمر الوجودي فلذاخصّوه بالعدمي هذا حاصل ما ذكره الأستاذ العلاّمة في دفع ما أورده الفاضل المذكور على القوم في تخصيصهم استصحاب حكم العقلبالبراءة الأصليّة و لكنّه لا يخلو عن تأمّل يعرف وجهه من التّأمّل فيما ذكرناه في طيّ كلماتنا السّابقة المتعلّقة بالمقام فلا نعيد فيه الكلامو ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك فساد ما سلكه جماعة من التّمسّك باستصحاب الحكم العقلي كثيرا في الأصول و في الفروع و نحن نشير إلى جملة منهاحتّى تعرف حقيقة الحال فيما نطوي ذكره في هذا المضمار في أنّه لا وجه لاستصحاب البراءة الأصليّة و إن كان هو المعروف في الكلمات فمنها استصحاب البراءة الّذي قد اشتهر بينهم و قد تمسّكوا به في باب البراءة فيالأصول لإثبات اعتبار أصالة البراءة في قبال الأخبار به و في كثير من الفروع في الفقه يقف عليه من راجع إلى كلماتهم و أنت خبير بفسادالتّمسك به حيث إنّ خلو الذّمّة الّذي يحكم به العقل الرّاجع إلى حكمه بقبح العقاب من غير وصول البيان إلى المكلّف ليس قابلا للاستصحابلعدم الشّك فيه أصلا حتّى يجري الاستصحاب فيه بل العقل يحكم به دائما فلا معنى لأن يقال إنّه قبل الشّرع أو العثور عليه كان المكلّف عالماببراءة ذمّته عن الغسل في يوم الجمعة أو الاستهلال مثلا فتستصحب البراءة عند الشّك في حدوث الاشتغال توضيح الفساد أنّهإن أريد من العلم بالبراءة في الزّمان السّابق هو العلم بعدم استحقاق العقاب كما هو الظّاهر ففيه أنّ هذا المعنى ممّا لا يعرضه الشّك أبدالاستقلال العقل به في الزّمان الثّاني أيضا لوجود ما هو العلّة التّامة لحكمه به فيه و هو عدم وصول البيان و إن أريد بالمستصحب عدمالتّكليف الأزلي من حيث عدم الموضوع أو عدم قابليّته كما في غير المميّز ففيه أنّا نقطع بانتفاء هذا الموضوع في حال الشّك فلا معنىلاستصحابه و إن أريد به عدم التّكليف الأزلي المتحقّق في حالتي التّميز و عدمه و المجامع لموضوعي حكم العقل و الشّرع ففيه أنّ هذا ليساستصحابا في حكم العقل حقيقة على ما عرفت الكلام فيه لأنّ المراد بالبراءة المستصحبة حينئذ هو عدم تعلّق التّكليف به بحسب الواقعالمجامع لحكم العقل فإن أريد منه ترتيب ما يترتّب شرعا على عدم اشتغال الذّمة بالتّكليف الواقعي فلا بأس به مع اجتماع شروطالاستصحاب من إحراز الموضوع و غيره و إن أريد منه الحكم بعدم استحقاق العقاب على مخالفته التّكليف المشكوك فلا إشكال في فساده أمّا أوّلا فلما عرفت أنّ الموضوع في حكم العقل بعدم استحقاق العقاب ليس هو عدم التّكليف الواقعي بل ما هو موجود في صورة العلمبعدم التّكليف و الشّك فيه قطعا فلا معنى لإجراء الاستصحاب بالنّسبة إليه إذ الاستصحاب إنّما يجري بالنّسبة إلى الأحكام المترتّبةعلى الأمور الواقعيّة من الأعدام و الوجودات لا ما يترتّب على الأمور المعلومة أو على ما يوجد في صورة الشّك قطعا إذ في الأوّل لا إشكالفي انتفاء الحكم و في الثّاني لا إشكال في ثبوت الحكم فلا يمكن إذا إجراء الاستصحاب و أمّا ثانيا فلما عرفت غير مرّة أنّ الاستصحابلا يثمر بالنّسبة إلى غير الآثار الشّرعيّة المترتّبة على المستصحب الغير الشّرعي فتدبّر ثمّ إنّه لا تنافي بين ما ذكرنا هنا من عدم جرياناستصحاب البراءة و بين ما ذكرنا سابقا في توجيه كلماتهم في تخصيص استصحاب حال العقل بالبراءة الأصليّة لما عرفت أنّ مرادهم