بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٤٨
إنما الكلام و الإشكال في المقام كلّه في الأحكام الشّرعيّة الاعتقاديّة و الكلام فيها يقع تارة في استصحاب نفس وجوب الاعتقاد الّذي يكون هوالمراد من الحكم الشّرعي الاعتقادي و المقصود بالإثبات من الكلام في الاستصحاب في العقائد و أخرى في متعلّق الاعتقاد كالنّبوّة و الإمامةمثلا و ثالثة في الأحكام المترتّبة عليهما و أمّا استصحاب نفس الاعتقاد فلا يعقل له معنى سواء جعلناه مرادفا لليقين أو من عوارضهأو من الأفعال الاختياريّة الّتي يمكن وجودها مع فرض الشّك و عدم اليقين أيضا كما لا يخفى فالبحث يقع في مواضع ثلاثة أحدها فيجريان الاستصحاب في وجوب الاعتقاد و عدمه ثانيها في جريانه في متعلّق الاعتقاد أي المعتقد ثالثها في جريانه في الأحكام المترتّبةعلى المعتقد في أنّ الكلام في الاستصحاب بالنّسبة إلى الأحكام الاعتقادية يقع في مواضع ثلاثة أمّا الكلام في الموضع الأوّل فتوضيح القول فيه يتوقّف على تقديم مقدّمة دقيقة شريفة و هي أنّ الاعتقاد بشيءهل هو عين اليقين به و اليقين به عين الاعتقاد به بمعنى كونهما عبارة عن معنى واحد و هو التّصديق القلبي فيكون كفر المتيقّن بالعقائدحينئذ بالجحود الظّاهري أو عدم الالتزام الظّاهري حيث إنّ الإسلام ليس مجرّد الاعتقاد بحسب الباطل بل هو مع الإقرار و الالتزام بالمعتقدبحسب الظّاهر فيكون وجوب الاعتقاد حينئذ بمعنى وجوب تحصيله حيث إنّ نفس اليقين ليس اختياريّا إلاّ بالاعتبار المذكور فتدبّر أو غيرهو كونه فعلا اختياريّا من أفعال القلب بحيث يكون للمكلّف إيجاده في صورة اليقين بشيء و عدم إيجاده و على تقدير كونه غيره هليمكن وجوده في غير موضع اليقين و في صورة الشّك أو يختصّ موضوعه بصورة اليقين فلا بدّ من البحث في موضعين أحدهما في تغايراليقين و الاعتقاد ثانيهما في اختصاص موضوع الاعتقاد باليقين على تقدير التّغاير أمّا الكلام في الموضع الأوّل فالّذي عليهأكثر المتكلّمين على ما حكي أنّ الاعتقاد ليس مجرّد اليقين بل هو أمر قلبيّ اختياري يعرض بعد اليقين في مقابل الاستنكاف و الجحودالقلبي و يدلّ عليه الوجدان السّليم مضافا إلى دلالة جملة من الآيات و الأخبار عليه مثل الآيات الواردة في مذمّة جحود من استيقنتأنفسهم و استيقنوا بالوحدانيّة مع جحودها و الكفر الجحود أمر معروف لا ينبغي إنكاره لأحد و هذا هو الّذي اختاره شيخنا في الجزء الأوّلمن الكتاب و في مجلس البحث مستدلاّ بما عرفت و لكن قد يقال بل قيل باتّحاد اليقين و الاعتقاد لأنّ من المشاهد بالوجدان أنّه ليس ممّايعرض على النّفس من الأمور الاختياريّة بعد اليقين بنبوّة شخص مثلا إلاّ الرّضا بنبوّته في مقابل الاستنكاف الباطني أو البناء والعزم على إطاعته فيما يأمر و ينهى و التّديّن بجميع لوازم النّبوّة بالنّسبة إليه و من المعلوم عدم ربط لهذه الأمور بالاعتقاد مع أنّهلو أريد به أحد هذه المعاني فلا مشاحة فيه و أمّا القول بأنّ العقد القلبي بما تعلّق اليقين به أمر لا دخل له باليقين و لا بما ذكر منالمعاني بل هو بناء قلبيّ على ثبوت المتيقّن في مقابل استنكافه فهو ممّا لا يتصوّر له معنى محصّل و أمّا المراد بالجحود مع استيقانالنّفس الّذي دل على وجوده الكتاب و السّنة فليس المراد منه عدم الاعتقاد بل الإنكار الظّاهري الّذي كان دأب الجاحدين أومقابل أحد المعاني الّتي عرفتها هذا مجمل الكلام في الموضع الأوّل و قد مرّ بعض الكلام فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة فراجع إليه و أمّا الكلام في الموضع الثّاني فالّذي بنى عليه الأستاذ العلاّمة في مجلس البحث عدم إمكان وجود الاعتقاد مع الشّك و كونهمن عوارض اليقين مع بنائه على كونه مغايرا له و هذا كما ترى لا يخلو عن النّظر لأنّه بعد الاستشهاد على التّغاير بما يقتضي بظاهرهباعتقاد المستشهد وجود اليقين مع عدم عقد القلب على مقتضاه بل على خلافه كيف يمكن إنكار وجوده في صورة الشّكمع أنّ القطع بالخلاف أولى بالمنع من تعلّق الاعتقاد بما يقطع بخلافه فإن قيل إنّ مع الشّك و التّرديد لا يمكن عقد القلب علىأحد الطّرفين قلنا لا يمكن ذلك مع عدم وجود المرجّح للبناء و الاختيار لا معه مع أنّه منقوض بصورة القطع بالخلاف أيضا كمالا يخفى و بالجملة بعد البناء على كون الاعتقاد غير اليقين يشكل القول بعدم إمكان وجوده في صورة الشّك سيّما مع القولبوجوده في صورة القطع بالخلاف إذا عرفت ما قدّمنا لك من المقدّمة فنقول إنّه إن قلنا بأنّ الاعتقاد عين اليقينفلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في وجوبه كما عرفت عدم تعقّل جريان الاستصحاب في نفسه ضرورة ارتفاع اليقين بالشّكلأنّ مرجع وجوب الاعتقاد على هذا التّقدير إلى وجوب تحصيل العلم به على ما عرفت سابقا و مفروض الكلام في الاستصحاب فيالأحكام الشّرعيّة بعد العجز عن تحصيل العلم فمهما يمكن تحصيل الاعتقاد و اليقين بالنّبوّة مثلا فلا إشكال في وجوبه فإذاحصل العجز عن تحصيل اليقين به فلا معنى لاستصحاب وجوب تحصيل اليقين نعم لو فرض وقوع الشّك في أصل وجوب تحصيلاليقين في زمان و ارتفاعه بعد علمه بوجوبه عليه سابقا أمكن القول بجريان الاستصحاب فيه بعد فرض العجز عن تحصيلالعلم بهذا الحكم في الشّريعة فتدبّر و إن قلنا بأنّه أمر اختياريّ غير اليقين فإن قلنا بكونه من عوارض اليقين فكذلك