بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٨٦
من كون مناط اعتبار الاستصحاب عندهم هو الظّن النّوعي المجامع لقيام الظّن
على خلافه فكيف يقال مع ذلك كون الدّليل واردا علىالاستصحاب لأنّ عدم
تأمّل أحد في اشتراط حصول الظّن الشّخصي من الاستصحاب بعدم قيام الظّن على
خلافه و لو لم يكن معتبرا بل كانممّا قام الدّليل القطعي على عدم اعتباره
لا يجدي نفعا بعد كون المناط الظّن النّوعي المجامع للظّن على الخلاف مع
أنّه بناء على ما ذكره دامظلّه لا معنى للفرق بين الظّن الغير المعتبر
القائم على الخلاف و الظّن المعتبر القائم عليه مع أنّه كما ترى اللّهمّ
إلاّ أن يوجّه ما ذكره بأنّ مراده هو الظّن المعتبر و مراده منإفادته
الظّن هو الظّن المعتبر عند العقلاء و لكن فيه أيضا ما لا يخفى و أمّا ما
ذكره العضدي فقد عرفت أنّه صرّح دام ظلّه بكونه مخالفالظاهر كلماتهم إن بقي
على حاله و أمّا ما ذكره دام ظلّه في تقرير حكم الغلبة القائمة على خلاف
الحالة السّابقة من كونها واردةعلى الاستصحاب كغيرها من الأدلّة
الاجتهاديّة فقد عرفت ما في إطلاق القول بكون الدّليل الاجتهادي واردا على
الاستصحاب بناءعلى القول باعتباره من باب الظّن سيّما بالنّسبة إلى الغلبة و
بالجملة فلا بدّ إمّا من رفع اليد عمّا جزم به سابقا في أمر
الاستصحاببناء على القول باعتباره من باب الظّن و إمّا من رفع اليد من هذه
الكلمات المنافية له بطريق الصّراحة و أمّا الاستشهاد لماذكره من حديث
ورود الدّليل على الاستصحاب بعدم تقديم أحد من الأصحاب الاستصحاب على
الأمارة المعتبرة و لو كانت في غايةالضّعف فلا يخفى ما فيه لأنّ عدم تقديم
الاستصحاب من باب حكومة الأمارة عليه و قد عرفت أنه لا مجرى للمحكوم بعد
وجود الحاكم و لانسبة بينهما أصلا حتّى يقع التّعارض بينهما فما ذكره دام
ظلّه لازم أعمّ لا يمكن الاستشهاد به نعم
الاستشهاد به في قبال من يقول بأن الاستصحابفي عرض سائر الأدلّة و
تقديمها عليه يحتاج إلى مرجّح و إلاّ فقد يقدّم الاستصحاب عليها و قد يحكم
بتساقطهما و الرّجوع إلى غيرهما فيكمال المتانة و الجودة لأنّ الظّاهر
منها كون تقديمها على الاستصحاب من حيث الذّات لا لمكان المرجّح هذا مجمل
الكلام فيما إذا قام الدليلعلى القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن على
خلاف الحالة السّابقة و أمّا إذا قام على طبقها بناء على هذا القول فحكمه
ما عرفت فيالفرض السّابق لأنّ قضيّة اعتبار الأمارة كون مؤدّاها منزّلة
منزلة الواقع و عدم وجود شكّ في موردها بالحكومة و لا يعقل الفرقفي هذا
المعنى بين الصّورتين لأنّ اعتبارها ليس مختصّا بما إذا قام على خلاف
الأصول و مفاد دليل اعتباره أيضا لا فرق في معناه فقدتلخّص ممّا ذكرنا كلّه
أنّ الدّليل الاجتهادي الموجود في مورد الاستصحاب حاكم على ما دلّ على
الأخذ بالحالة السّابقة مطلقا و أنّه لا تعارضبينه و بين الدّليل أصلا هذا
نقل كلام الفاضل القمي و النّراقي قدّس سرهما فيما يتعلّق بالمقام و الذب عنهما
و لكن قد خالف فيما ذكرنا جماعة من المتأخّرين على ما يظهر من كلماتهم في
بادي النّظر قال المحقّقالقميّ رحمه الله بعد نقل كلام من اشترط في العمل
بالاستصحاب عدم قيام الدّليل في مورده ما هذا لفظه (١)
أقول
إن أراد من الدّليل ما ثبت رجحانهعلى معارضه فلا اختصاص لهذا الشّرط
بالاستصحاب بل كلّ دليل عارضه دليل أقوى منه رجّح عليه فلا حجيّة فيه و
يعمل على الدّليلالرّاجح فلا مناسبة لذكر ذلك في شرائط الاستصحاب و إن
أراد من الدّليل ما يقابل الأصل ففيه أنّ الإجماع على ذلك إن سلّم في أصل
البراءةو أصل العدم فهو في الاستصحاب ممنوع أ لا ترى أنّ جمهور المتأخّرين
قالوا إنّ مال المفقود في حكم ماله حتّى يحصل العلم العادي بموتهاستصحابا
للحال السّابق مع ما ورد من الأخبار المعتبرة بالفحص أربع سنين ثمّ
التّقسيم بين الورثة و عمل عليها جماعة من المحقّقين فكيفيدّعى الإجماع
على ذلك و إن أراد أنّ الاستصحاب من حيث إنّه استصحاب لا يعارض الدّليل
القطعي من حيث هو هو إجماعا فله وجه كماأنّ العام من حيث إنّه عام لا يعارض
الخاصّ من حيث إنّه خاصّ و المفهوم من حيث إنّه مفهوم لا يعارض المنطوق
كذلك انتهى
ما أردنانقله من كلامه ثمّ
اعترض على ما ذكره البعض على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن يقف عليه من راجع إلى القوانين و قال
الفاضل النّراقي في المناهج بعد نقل ما عرفت من المحقّق القميّ رحمه الله ما هذا لفظه ففيه
أنّا نختار الثّاني و منع الإجماع فاسد كما هوظاهر على المتتبّع و ما ذكره
من مال المفقود فعمل جمهور المتأخّرين بالاستصحاب ليس به نفسه بل لموافقة
أخباره أيضا فعملهم عليها مضافاإلى ردّهم دلالة الأخبار المخالفة له انتهى
كلامه رفع في الخلد مقامه و أنت بعد التّأمّل فيما ذكرنا تعرف أنّه لا وجه لما ذكر إلى آخره قدّس سرهما أمّا
ما ذكره الفاضل القميّ فلما عرفت من أنّ الدّليل حاكم على الاستصحاب مطلقا
سواء طابق الحالة السّابقة أو خالفها و سواء علىالقول باعتبار الاستصحاب
من باب التّعبّد أو الظّن حسب ما اعترف قدس سره به على التّقدير الأخير
فكيف يمكن مع ذلك إيقاع التّعارضبينهما فضلا عن ترجيح الاستصحاب ببعض
المرجّحات و منه يظهر ضعف ما سلّمه على التّقدير الثّالث فإنّ ما ذكره يتمّ
على تقدير وجودالاستصحاب موضوعا مع الدّليل حتّى يقال إنّ الدّليل راجح
بالذّات على الاستصحاب مع أنّه قد يقال بمنع ما ذكره على تقدير تسليم
وجودهمافي موضوع واحد إذ لا مدرك له بعد كون النّسبة بينهما عموما من وجه
اللّهمّ إلاّ أن يتمسّك له بما وجّهنا به القول بكون الدّليل