بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٢٤
ما اشتهر أنّ هذه الشّريعة إلخ(١)
أقول
حاصل ما ذكره دام ظلّه هو أنّ المراد من كون شريعة خاتم الأنبياء عليه و
عليهم الصّلاة و السّلامناسخة لجميع الشّرائع أمّا نسخها لجميع الأحكام
الثّابتة في الشّريعة السّابقة و لو بتغيير في متعلّقاتها شطرا أو شرطا أو
بعضها أو جميعها منحيث كيفيّة الالتزام بمعنى وجوب الالتزام بكلّ حكم من
حيث إنّه جاء نبيّنا به و إن كان بعضها ممّا جاء به النّبي السّابق أيضا
فإن كانالمراد الأوّل ففيه أنّ دعوى كون شريعة خاتم الأنبياء صلى الله
عليه و آله ناسخة لجميع أحكام الشّريعة السّابقة فاسدة بالإجماع بل يمكن
دعوى الضّرورةعلى فسادها و يشهد له الآيات و الأخبار أيضا فمن الآيات قوله
تعالى و أحلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم فتدبّر
و قوله تعالى كتب عليكمالصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم الآية فتأمّل
و غيرهما و من الأخبار ما ورد عنهم المرويّة في الاحتجاج ممّا تدلّ على
أنّ جملة منالمحرّمات كشرب الخمر و اللّواط و نكاح المحارم و غيرها كانت
محرّمة في جميع الشّرائع بل العقل يستقلّ بثبوت بعض الأحكام في جميع
الشّرائعكالمستقلاّت العقليّة و بالجملة لا إشكال في فساد هذه الدّعوى و
إن كان المراد الثّاني ففيه أنّ الشّبهة إن لم تصل إلى حدّ الشّبهة
المحصورةبل كانت غير محصورة فلا إشكال في عدم قدح العلم الإجمالي فيها و
عدم إيجابه سقوط الأصل عن الاعتبار و إن كانت محصورة فالمتيقّنمن المعلوم
بالإجمال ما علم تفصيلا بالدّليل و أمّا الزّائد عليه فلا يعلم به فيحكم
ببقائه بحكم الاستصحاب فإن قلت
الزّائد عليه و إن لميتعلّق به العلم بخصوصه إلاّ أنّه من أحد أطراف
العلم و هو يكفي في إسقاط الاستصحاب بالنّسبة إليه غاية الأمر تردّد الأمر
في المعلوم بالإجمالبين الزّائد على القدر المعلوم بالدّليل و بين ما علم
به و مجرّد هذا التّردّد لا يخرج الزّائد عن أطراف العلم الإجمالي حتّى
يعمل فيه بالاستصحاب قلت
قد عرفت غير مرّة في الجزء الثّاني من التّعليقة بل في الجزء الأوّل أيضا
أن تردّد المعلوم بالإجمال بين الزّائد و النّاقص لا يؤثّرشيئا بالنّسبة
إلى المقدار الزّائد بل لا بدّ من الرّجوع فيه إلى الأصل الموجود فيه من
البراءة أو الاستصحاب لرجوع الشّك فيه إلى الشّكالبدوي فإن قلت
ما ذكر إنّما يستقيم فيما احتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيما علم تفصيلا و
ليس الأمر كذلك في المقام لأنّا نعلم بنسخكثير من الأحكام السّابقة و
المعلوم منها تفصيلا قليل في الغاية فيعلم بوجود المنسوخ في غيره قلت
أوّلا نمنع من كون المعلوم بالإجمالزائدا على ما وقفنا عليه و دعوى العلم
بذلك مجازفة لا شاهد لها أصلا و ثانيا سلّمنا كونه زائدا عليه و لكن من
الواضح البديهيّ أنّه ليسبأزيد من جميع الأحكام المعلومة في شرعنا فإنّها
من أطراف العلم الإجمالي أيضا فإذا وجب الأخذ بها سواء كانت ناسخة أو لم
يكن ثمّةمانع من الرّجوع إلى الأصل بالنّسبة إلى مشكوك البقاء حيث إنّه من
أطراف العلم لا من موارده و هذا مع وضوحه قد أشبعنا القول فيهفي مطاوي
كلماتنا في أجزاء التّعليقة و أنّ العلم الإجمالي إنّما يؤثّر في سقوط
الأصل من الاعتبار فيما لم يجب الالتزام بمقتضاه في بعض الأطرافمن جهة
أخرى فالرّجوع إلى الأصل في المشكوكات لا مانع عنه بعد فرض وجوب الالتزام
بسائر الأطراف من جهة العلم التّفصيلي المتعلّقبها و المقام نظير ما إذا
علم بطهارة أشياء ثمّ حصل العلم بنجاسة بعضها الغير المعيّن الموافق من حيث
المقدار للمعلوم بالإجمال واحتمل كونه هو المعلوم بالإجمال فإنّه لا إشكال
في جواز الرّجوع إلى استصحاب الطّهارة في باقي الأطراف لأنّ الأصل فيه لا
يعارض الأصلفيما علم بنجاسته بعدم الاحتياج في الحكم بنجاسته و وجوب
الاجتناب عنه إلى إثبات كون النّجاسة الواصلة إليه غير النّجاسة الّتي علم
بهاإجمالا فإن قلت
قد ذكرت في الجزء الثّاني من التّعليقة أنّ حصول العلم بمثل المعلوم
بالإجمال في ضمن بعض الأطراف معيّنا بعدالعلم الإجمالي لا يوجب جواز
الرّجوع إلى الأصل في غيره من أطراف الشّبهة كما إذا علم بوصول النّجاسة
إلى بعض معين من الأواني الّتي علمبوصول النّجاسة إلى بعضها الغير المعيّن
لأنه يجب الاجتناب عن غيره و إلاّ أمكن التّفصّي عن وجوب الاحتياط عن
الشّبهة المحصورة في غالبالموارد بتنجيس بعض معيّن من أطرافها قلت
ما ذكرنا ثمّة إنّما هو فيما لو علم بوصول النّجاسة إلى بعض معيّن من
أطراف الشّبهة غيرما علم به إجمالا لا ما إذا علم بنجاسة بعضها المعيّن بعد
العلم الإجمالي و احتمل انحصار كونها المعلوم بالإجمال فيه فإنّه لا يجب
الاجتنابحينئذ عن باقي الأطراف فتأمّل
و المقام من هذا القبيل و بالجملة المدّعى عدم الاحتياج إلى الأصل في وجوب
الالتزام بالنّسبة إلىالأحكام المعلومة في شريعتنا لا أنّا نقطع بكونها
من الأحكام الباقية الغير المنسوخة فإن قلت
ما ذكر إنّما يستقيم فيما لم يترتّب هناك أثر بالنّسبة إلى ما علم ثبوته
في شرعنا من الأحكاممن حيث كونها غير منسوخة و إلاّ فيحتاج إلى إجراء
الأصل بالنّسبة إليها لا محالة فيقع التّعارض مع الأصل في الأحكام المشكوكة
فيتساقطانأو يحكم بعدم جريانها في هذا الفرض نظرا إلى أحد المسلكين في
كيفيّة تأثير العلم الإجمالي قلت
لا معنى لمنع جريان الأصل في الأحكامالمعلومة في شريعتنا على تقدير ترتّب
أثر على كونها من الأحكام الغير المنسوخة لأنّ من الالتزام بهذا الأثر لا
يلزم شيء أصلا و العلمالإجمالي لا أثر له بالنّسبة إليه جزما و إنّما
أثره المنع من إثبات وجوب الالتزام ببعض الأحكام في شريعتنا فيما لو توقّف
وجوب الالتزام به