بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٢٦
الكتاب العزيز و القرآن العظيم و الفرقان الكريم المنزل من ربّ العالمين
على خاتم الأنبياء و المرسلين و ما ورد من نبيّنا صلّى اللّهعليه و أهل
بيته المعصومين المطهّرين و من المعلوم أنّ كلّ أحد يتفحّص عن الدّليل في
الكتاب و السّنة و عن الثّاني بمنع الانصراف فتدبّر في كيفيّة الاستدلال بالآية لاعتبار قصد التّقرب و غيره
قوله
و يرد عليه بعد الإغماض إلى آخره(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّه شاع بين المتأخّرين من الأصحاب على ما وقفنا عليه من
كلامهم التّمسكبالآية بضميمة الاستصحاب على أنّ الأصل في الواجب أن يكون
تعبّديّا مشروطا صحّته على قصد القربة و الامتثال و بين جماعة
منالمتقدّمين على ما حكاه الأستاذ العلاّمة دام ظلّه العالي التّمسك بها
على اشتراط الخلوص في النّيّة بمعنى خلوّها عن الضّمائممن الرّياء و غيره و
تقريب الاستدلال بها على اشتراط الخلوص في النّية ظاهر غير محتاج إلى
البيان بعد جعل المراد من الإخلاصهو تنزيه العمل من الرّياء و نحوها و جعل
الدّين عبارة عن القصد و أمّا تقريب الاستدلال بها على المطلب الأوّل
فيكون منوجهين أحدهما
استظهار ذلك من لفظ الخلوص من باب المطابقة أو من باب الأولويّة و دلالة
الأخص على الأعمّ بعد جعلاللاّم للغاية فتدلّ على ثبوت الملازمة في
الشّريعة السّابقة بين وجوب شيء و اشتراط قصد القربة في صحّته فيستصحب
هذهالملازمة و يحكم ببقائها في شريعتنا أيضا حسب ما هو المحكيّ في وجه
الاستدلال ثانيهما
استظهاره من لفظ نفس العبادة مع قطعالنّظر عن قوله مخلصين له الدّين بناء
على عدم تحقّقها بدون التّقريب حيث إنّ الإتيان المأمور به على قسمين أحدهما
ما يقتضيمجرّد رفع العقاب كالإسقاط الّذي ليس من إتيان المأمور به في
شيء لكن لا يحصل به الغرض من المأمور به فيقتضي سقوطه و رفعالعقاب عن
تركه حيث علم أنّ المقصود أعمّ من المطلوب و هذا ليس من الإطاعة و الامتثال
في شيء و ليس المكلّف مستحقّا للثّوابفي شيء و هذا المعنى لا يحتاج إلى
قصد القربة أصلا بل يكفي مجرّد إتيان المأمور به بأيّ وجه اتّفق و هو لا
يتحقّق إلاّ في الواجباتالتّوصّليّة ثانيهما
ما يقتضي استحقاق الأجر و الثّواب و هو لا يعقل تحقّقه بدون قصد الإطاعة
كما لا يخفى و العبادة ما لا ينفكّعن هذا المعنى ففي أصل العبادة مأخوذ
قصد التّقرب فيكون الحال حينئذ على تقدير كون معناها قصد التّقرب مؤكّدة لا
منتقلةكما لا يخفى هذا بل ربما يقال إنّ العبادة لا يتحقّق مع الضّميمة
فالاستدلال بها على المطلب الثّاني أيضا لا يحتاج إلى التّمسّك بلفظ
الإخلاصفالحال مؤكّدة مطلقا و لكن فيه ما لا يخفى سيّما بناء على تعميم
الضّميمة هذا ملخّص ما يستفاد من كلامهم في تقريب دلالة الآية على المدّعى في أن مقتضى التّحقيق عدم دلالة الآية على ما استدلوا بها له
و لكنّك خبير بما في الاستدلال بها على المطلبين لعدم دلالتها على شيء منهما أمّا أوّلا
فلأنّ الظّاهر من اللاّم في قوله ليعبدوا اللّههي لام الإرادة الّتي تدخل على المفعول به و المراد كما في قوله ليذهب عنكم الرّجس و ليبيّن لكم
و نحوهما و يشهد له مضافا إلى ظهورهذا المعنى منها في أمثال المقام عطف
قوله و ليقيموا الصّلاة الآية و بالجملة استعمال اللاّم في هذا المعنى كثير
في الغاية في الكتابو السّنة و العرف و يشهد له السّياق و ذيل الآية فلا
بدّ من أن يحمل عليه و المراد من العبادة ليست هي العبادة الّتي في مقابل
المعاملة بلالمراد هي العبوديّة أي و ما أمروا إلاّ بجعل عبوديتهم للّه و
المراد من الإخلاص ليس قصد القربة في الواجب و لا تنزيه العمل من الرّياء و
نحوهبل عدم الشّرك به و جعل الشّريك له في العبوديّة فالآية تدلّ على
وجوب التّوحيد عليهم لا على وجوب قصد القربة عليهم في كلّ واجبأو تنزيه
القصد من الرّياء و نحوها من الضّمائم و المراد من الدّين ليس هو القصد إذ
لم يثبت استعماله فيه أصلا بل المراد منه إمّا خصوصالأصول كما هو الظّاهر
أو هي مع الفروع فالآية مشتملة على بيان تكليفهم بأصل الأصول و عمود الفروع
فلا دخل لها بالمقام أصلا كما لا يخفىو يشهد لما ذكرنا أمور أحدها ظهوره
من الآية بالبيان الّذي عرفته مضافا إلى ملاحظة صدرها ثانيها دلالة كثير من
الآيات الّتيفيها لفظ الإخلاص بل لم يوجد آية مشتملة عليه و كان المراد
منها غيره كما في قوله تعالى ألا للّه الدّين الخالص و قوله قل اللّه أعبد الآيةو غيرهما ثالثها تفسير المفسّرين فإنّهم فسّروها بما ذكرنا كما يعلم من الرّجوع إلى كتب التّفسير للخاصّة و العامّة لا يقال
كون المرادمن الإخلاص ما يقابل الشّرك لا ينافي الاستدلال بها على وجوب
خلوص العمل من الضّمائم سيّما الرّياء فإنّه قد ورد أنّه من الشّرك الخفي لأنّا نقول
قد عرفت أنّ المراد من الآية بملاحظة صدرها و ذيلها و نظائرها و ما ورد في
تفسيرها ليس وجوب العمل على وجه الإخلاصو عدم الشّرك في العمل حتّى يقال
إنّ الرّياء أيضا نوع من الشّرك بالمعنى الأعمّ بل المراد منها وجوب
التّوحيد و اختيار عبوديّة اللّه معتقدينبعدم الشّريك له حيث إنّ المأمور
فيها هم الكفّار المعتقدون بأنّ له جلّ شأنه و عزّ اسمه شريكا يشفع لهم
عنده تعالى و من المعلوم أنّ ضمّغير عنوان المأمور به إليه في القصد و لو
كان رياء ليس شركا باللّه بمعنى الاعتقاد بغيره و جعله مستحقّا لأن يعبد
كما لا يخفى و إلاّ وجبالحكم بكفر من كان هذا شأنه كما في أكثر النّاس إن
لم يكن جلّهم و إن كان شركا بمعنى آخر لا ينافي الإيمان و عليه يحمل ما ورد
في بعض الأخبار و أمّا ثانيا
فلأنّه على فرض تسليم كون المراد من الإخلاص ما هو مقابل