بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١١٤
العقل على موضوع يوجد في صورة القطع بشيء و في صورة الشّك فيه ممّا لا ينكر لكنّه لا دخل له بالحكم الظّاهري للعقل كحكمه بقبح التّشريعمثلا على القول بكونه إدخال ما لم يعلم كونه من الدّين سواء علم بعدم كونه من الدّين أو شكّ في ذلك على ما أسمعناك شرح القولفيه في الجزء الأوّل من التّعليقة هذا كلّه مضافا إلى أنّه لو فرض شكّ للعقل في بقاء حكمه فلا يتصور إلاّ من حيث الشّك في بقاءالموضوع من حيث ارتفاع وجود ما يحتمل مدخليّته أو الشّك في ارتفاع ما علم مدخليّته أو وجود ما يحتمل مدخليّة عدمه أوالشّك فيه مع القطع بمدخليّته و سيجيء اشتراط بقاء الموضوع في إجراء الاستصحاب و إلى أنّه لا معنى لإجراء الاستصحاب في الحكمالعقلي مع قطع النّظر عمّا ذكر أيضا لعدم ترتّب أثر شرعيّ عليه حتّى يجري الاستصحاب فيه بناء على ما عرفت غير مرّة و ستعرف إن شاء اللهمن أنّ استصحاب ما لم يترتّب عليه أثر شرعيّ إذا لم يكن نفسه حكما شرعيّا ممّا لا معنى له هذا محصّل الكلام في الحكم العقلي بمعنى الإنشاءو منه يعرف الكلام في عدم إمكان جريان الاستصحاب في حكمه بمعنى الإدراك أيضا لعين ما عرفت سابقا من عدم تعقّل الشّك في بقائهلأنّه في الزّمان الثّاني إمّا أن يدرك ما أدركه أوّلا أو لا يدرك قطعا و لا يعقل الشّك في أنّه يدرك أو لا يدرك نعم المدركممّا يشكّ في بقائه سواء كان من مقولة الحكم أو الموضوع لكنه لا دخل له بالإدراك الّذي نتكلّم فيه فتدبّر هذا مجمل القول فيالمقام الأوّل في أنّ الحقّ عدم جريان استصحاب الحكم الشّرعي المنكشف من حكم العقل و أمّا الكلام في المقام الثّاني و هو إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشّرعي التّابع للحكم العقلي أي المستكشف منهبقاعدة التّلازم بينهما فالّذي صرّح به الأستاذ العلاّمة إمكان جريان الاستصحاب فيه مع قطع النّظر عن تسبّب الشّك فيه عنالشّك في الموضوع و تردّده بين ما هو باق واقعا قطعا و بين ما هو مرتفعكذلك لأنّ الحاكم به ليس هو المكلّف حتّى لا يمكن وقوعالشّك فيه بل غيره و قد عرفت أنّه لا شبهة في طريان الشّك في بقاء حكم الغير فمع قطع النّظر عمّا هو قضيّة التّحقيق من لزوم إحراز الموضوعفي الاستصحاب لا ضير في الاستصحاب المذكور لا يقال إذا فرض كون حكم الشّرع تابعا لحكم العقل فكيف يمكن احتمال بقاء الحكمالشّرعي مع القطع بانتفاء الحكم العقلي المتبوع له لأنّا نقول معنى تبعيّة الحكم الشّرعي للحكم العقلي هو اتّحاد موضوعهما لا كونالحكم العقلي موضوعا للحكم الشّرعي فلو فرض إذا شكّ في ما هو الموضوع في القضيّة العقليّة و احتمل كونه ممّا ينتفي في الزّمان اللاحقلم يكن هناك مانع عن استصحاب الحكم الشّرعي مع القطع بعدم وجود الحكم العقلي لإمكان الشّك في بقاء الحكم الشّرعي و احتمال بقائهمن جهة احتمال بقاء ما هو الموضوع له لا يقال إذا فرضت كون الموضوع في حكم العقل هو الشّيء بوصف كونه معلوما فلا بدّ أنيكون هو الموضوع في حكم الشّرع أيضا لأنّ حكم الشّرع المستكشف من حكم العقل لا يمكن أن يكون موضوعه غير ما هو الموضوع في حكم العقلفكما لا يعقل الشّك في بقاء الحكم العقلي من جهة أخذ العلم في موضوعه جزءا كذلك لا يعقل الشّك في بقاء الحكم الشّرعي أيضا لا منجهة أنّ الموضوع في الحكم الشّرعي هو حكم العقل حتّى يمنع عنه بل من جهة وحدة الموضوع فيهما لأنّا نقول أمّا أوّلا فلأنّ وحدة الموضوعفي حكم العقل و الشّرع لا يقتضي عدم احتمال بقاء الحكم الشّرعي في موضع الدّوران فإنّ العلم الّذي يكون معتبرا في الحكم و الإنشاء إنّماهو علم الحاكم لا علم غيره فإذا كان الحاكم العقل فلا بدّ في حكمه من علمه بما هو المناط له في زمان الحكم و إن كان الحاكم الشّرع فالمعتبر هوعلمه لا علم المكلّف و من المعلوم أنّ تحقّق الموضوع و بقاءه عنده ممّا هو محتمل قطعا فيحتمل وجود حكمه أيضا فكون العلم مأخوذا في موضوعحكم العقل لا ربط له بالمقام و لا يمنع من الشّك في بقاء الحكم الشّرعي كما هو ظاهر و أمّا ثانيا فلأنّ الكلام إنّما هو بعد فرض عروضالشّك في الموضوع للعقل من أوّل الأمر و أنّه لا يدرى بأيّ موضوع تعلّق حكمه و إلاّ فقد عرفت أنّ الشّك في معروض الحكم و أنّه أيّشيء ممّا لا يعقل عند العقل فتدبّر لا يقال كيف يدّعى أخذ العلم في موضوع حكم العقل و أنّه لا واقعيّة له حتّى يشكّ في بقائه و عدمهمع أنّ من المشاهد المحسوس شكّنا كثيرا في وجود المصالح و المفاسد في الأفعال المقتضية لحكم الشارع لأنّا نقول قد اشتبه عليك الأمرفي حكم العقل فإنّ المراد من حكم العقل في المقام ليس هو المصالح و المفاسد الكامنة في الأشياء الباعثة على حكم الشارع فإنّها منذاتيّات الأشياء و من الأمور الثّابتة في الواقع بحيث لا ربط للعقل فيها أصلا و إنّما المراد من حكم العقل في المقام هو ما ذكروهفي مسألة التّحسين و التّقبيح و جعلوه محلاّ للنّزاع ثبوتا و عدما و كونه دليلا على حكم الشارع على تقدير الثّبوت أم لا الّذي قسّموه إلى أقسامخمسة من الاقتضائي و التّخييري و من المعلوم أنّ هذا إنشاء محض من العقل لا واقعيّة له أصلا فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ الشّك و إنكان متصوّرا في بقاء الحكم الشّرعي المستكشف من حكم العقل من جهة قاعدة الملازمة إلاّ أن الشّك فيه يرجع دائما إلى الشّك في بقاءموضوعه فلا يجري الاستصحاب فيه من هذه الجهة لا يقال لو كان الأمر كما ذكرت من عدم تعقّل جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة