بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥
أو وصف بمعنى الثّبوت فيقال الاستصحاب هو ثبوت حكم أو وصف موصوف بالصّفة المذكورة بجعل قوله يقينيّ الحصول في الآن السّابق مشكوكالبقاء في الآن اللاّحق وصف لهما و يحتمل كونهما حالين لهما فينطبق على ما ذكره غير واحد في تعريفه بأنّه ثبوت حكم فيرجع إلى التّعريف المشهورلعدم الفرق بين الثّبوت و الإثبات كالبقاء و الإبقاء إلاّ بالاعتبار لأنّ المراد بهما الثّبوت الحكمي و البقاء كذلك لا الواقعي و من هنا عرّفهغير واحد بالبقاء أيضا و هذا و إن كان خلاف الظّاهر إلاّ أنّه لا بأس به في مقام التّوجيه نعم فيه إخلال تقييد الاستناد إلىالوجود السّابق و جعل الوصف دليلا عليه قد عرفت ما فيه مضافا إلى لزوم التّفكيك بين الوصفين حيث إنّ كونه مشكوكا لاحقا لا يلاحظإلاّ كونه معتبرا في الموضوع ثالثها أن يجعل الكون ناقصة مع جعل قوله في الآن اللاّحق متعلّقا به لا بقوله مشكوك البقاء فتأمّل حتىلا يختلط عليك الأمر فتتوهّم رجوعه إلى الوجه السّابق و لا بدّ أن يعتبر وجوده في اللاّحق على سبيل الحكم حتّى ينطبق على تعريف المشهور مع تكلّفاعتبار الحيثيّة مع عدم كفايته مضافا إلى عدم استقامته إلاّ بالتّفكيك فتدبّر رابعها أن يجعل المراد من قوله مشكوك البقاء مظنونالبقاء فيرجع تعريفه إلى تعريف العضدي إذا جعل الحدّ خصوص الكبرى فكأنّه قال الاستصحاب عبارة عن كون الشّيء سواء كان حكما أو وصفامتّصفا بكونه متيقّنا في السّابق مظنون البقاء في اللاّحق فينطبق على تعاريف المشهور بناء على ما عرفت من كون التّغاير بين الظّن ببقاء الشّيءو كونه مظنون البقاء اعتباريّا و كون المراد من حكم العقل بالبقاء ليس إلا التّصديق الظّني و إدراك البقاء ظنّا و هو عين الظّن بالبقاء ضرورةكون التّصديق الظّني بثبوت القيام لزيد مثلا عين الظّن بثبوت القيام لزيد و إن جعل الظّن إذا كان هناك قضيّة لفظيّة و هو قولنا زيدقائم جهة للقضيّة و حمل القيام على زيد إلاّ أنّه في عالم اللّب ليس إلاّ الظّن بثبوت القيام لزيد و بعد أخذ الحيثيّة في التّعريف يكون المرادأنّ الاستصحاب عبارة عن كون الشّيء الموصوف بالوصف المذكور مظنون البقاء من حيث كونه متيقّنا في السّابق و ثابتا في الزّمان الأوّل نعم على القول باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار لا مناص من التّعبير بالحكم بالبقاء أو ما يرجع إليه لما عرفت من كون الاستصحاب بناء على الأخبارمن مقولة الإنشاء لا الإدراك لكن مبناه عند المشهور لما كان على الظّن وقع التّعبير عنه في كلمات الأكثرين بما يدلّ عليه و هذا ينطبق علىما ذكره في أوّل القوانين كغير الوجه الأوّل من الوجوه السّابقة هذا و لكن يتوجّه عليه مضافا إلى ما في جعل الشكّ بمعنى الظّن من التكلّفعلى تقدير صحّته باستعماله في معناه اللّغوي و هو خلاف اليقين و إرادة خصوص المظنون منه بقرينة خارجيّة أو مجازا باستعمال اللّفظ الموضوعللعامّ في الخاصّ بأنّه مناف لما صرّح به قدس سره في القوانين من إرادة المعنى الأعمّ من الظّن منه من جهة كون الاستصحاب عنده معتبرا من جهة الأخبارأيضا اللّهم إلاّ أن يحمل تعريفه على العقل و إن كان اعتبار الاستصحاب عنده غير متوقّف على الظّن بالبقاء بملاحظة الأخبار فتأمّل حكاية تعريف الفاضل النّراقي قدّس سره و غيره للاستصحاب ثمّ إنّه يرجع إلى تعريف المشهور ما في كلام بعض في تعريفه من أنّه الحكم باستمرار أمر كان يقينيّ الحصول في وقت أو حال مشكوك البقاءبعد ذلك الوقت و الحال بعد أخذ الحيثيّة فيه و إلاّ كان محلاّ للمناقشة و إن كان سالما عمّا أورد عليه غير واحد و قال الفاضلالنّراقي في المناهج بعد نقل جملة من التّعاريف و المناقشة فيها و تعريفه على سبيل الإجمال أوّلا بأنّه إبقاء ما كان على ما كان ما هذا لفظهو لو عرّف بأنّه الحكم على حكم مثبت في وقت أو حال ببقائه بعده من حيث ثبوته في الأوّل مع عدم العلم بالبقاء و لو تقديرا لكان خاليا عنالنّقض و المدلول هو إثبات الحكم في الثّاني فلا يلزم اتّحاد الدّليل و المدلول و القيد الأخير لإدخال ما يدلّ دليل آخر أيضا على البقاء كمايقولون هذا الحكم للإجماع و الاستصحاب و فائدته إثبات الحكم لو تطرق نقض على الدّليل الآخر فالاستصحاب فيه فرضيّ أيضا يعني إذا حصلالشّك يستصحب انتهى كلامه رحمه الله و هو كما ترى لا يخلو عن بعض المناقشات و قال الفاضل الدّربندي قدس سره في الخزائن في تعريفه بعد الإيرادعلى ما حكاه المحقّق الخوانساري عن القوم في تعريفه و غيره من التّعاريف ما هذا لفظه فالأولى أن يقال في تعريفه أنّه عبارة عن إبقاء ما كانفي الزّمن الثّاني تعويلا على ثبوته في الزّمن الأوّل و لو تقديرا مع عدم العلم بالبقاء و لو تقديرا فبأخذ قيد التّقدير الأوّل يشمل الحدّ ما فيهتحقّق الحكم في الزّمن الأوّل شأني كما يشمل ما فيه تعدّد الزّمان فرضيّ بل يشمل ما على خلافه دليل مطلق أيضا و بالأخير يشمل ما فيه على طبق الاستصحابدليل منجّز قطعيّا كان أو ظنّيا انتهى كلامه رحمه الله و أنت خبير بأنّ ما ذكره لا يخلو عن مناقشة بل مناقشات فالأولى ما عرفت في تعريفه الرّاجعإلى تعريف القوم على ما عرفت فإنّه يستفاد منه بالدّلالة الظّاهرة الواضحة حقيقة الاستصحاب و ما له دخل في مجراه و محلّه من إحراز المتيقّن السّابقفي زمان إرادة الحكم بالبقاء من حيث إنّ البقاء عبارة عن الوجود الثّانوي للشيء فلا بدّ أن يكون الوجود الأوّلي متحقّقا و المشكوك اللاّحق و كونالحكم به مستندا إلى وجود الأوّلي عند الحاكم فإنّه لو لا الشّك كان الاستناد في البقاء إلى نفس وجود العلّة و الدّليل في الزّمان اللاّحق كالزّمانالأوّل فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنّ الاستصحاب الّذي هو من مقولة الحكم سواء كان من باب الأخبار أو العقل على جهة الإنشاء أو الإخبار