بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٤٠
الأوّل الّذي يعبّر عنه بقاعدة الطّهارة يجري فيما كان مسبوقا بالطّهارة و
فيما كان مسبوقا بالنّجاسة و فيما لم يعلم له حالة سابقة أصلاأو علم بعدم
حالة سابقة له كما في الشّبهة الحكميّة فلا بدّ من أن يكون العلّة فيها غير
سبق الطّهارة على ما هو المناط في استصحاب الطّهارةو إلاّ لزم أعميّة
المعلول عن العلّة و هو محال فالعلّة للطّهارة في القاعدة فيما كان مسبوقا
بالطّهارة ليس إلاّ نفس ما هو العلّة فيما لم يسبقبالطّهارة و هو نفس
الشّك و معلوم أنّ الاستصحاب ليس هو مجرّد الحكم على طبق الحالة السّابقة
في زمان الشّك من غير استناد إليها قوله
بل يجري في مسبوق النّجاسة إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّ مقصوده دام ظلّه ممّا ذكره ليس إلاّ مجرّد الجريان و إن
كان محكوما قبالا للسيّد السّندصاحب الرّياض حيث إنّه منع من أصل جريان
القاعدة في موضع جريان استصحاب النّجاسة متمسّكا في كلامه بحصول الغاية و
هي العلم بالقذارة و إنلم يكن باقيا بالفعل إلاّ أنّ العلم في قوله عليه
السلام حتّى تعلم أنّه قذر أعمّ من العلم السّابق و اللاّحق لصدقه عليهما
معا لا الحكم بالتّعارض الاصطلاحي كيفو تقديم القاعدة ضرورة عندنا حكومة
استصحاب النّجاسة على القاعدة و إن خالف فيه بعض المشايخ إلاّ أنّه لا
إشكال في وجود موضوع القاعدةفي مورد استصحاب النّجاسة حقيقة و إلاّ لم يعقل
معنى للحكومة كما لا يخفى فمراده دام ظلّه من التّعارض هو مجرّد التّقابل
الصّوري لكن و ليعلم أنّه لا يأتيمن الأستاذ العلاّمة بيان بالنّسبة إلى
ما ذكره أصلا فما ذكر وعد لم يف به في دلالة الرّواية على أصالة الطّهارة في الشّبهتين ردّا على الفاضل القمي قدّه
قوله
ثمّ إنّه لا فرق في مفاد الرّواية إلخ(٢)
أقول
قد خالففي ذلك بعض المحقّقين من المتأخّرين فذهب إلى عدم تماميّة القاعدة
بالنّسبة إلى الشّبهات الحكميّة و الموضوعات الكليّة الّتي يشكّ في
حكمهامن حيث الطّهارة و النّجاسة و أنّه ليس لنا ما يدلّ على ذلك لا
الرّواية و لا غيرها و المحقّق القميّ و إن استشكل في دلالة الرّواية إلاّ
أنه معتقدلثبوت أصل القاعدة في الشّبهات الحكميّة أيضا و كيف كان لا إشكال
عندنا في دلالة الرّواية على أصالة الطّهارة في الشّبهات الموضوعيّةو في
الشّبهات الحكميّة لأنّ المراد من الشّيء هو الأعمّ من الكلّي و الجزئي
ضرورة صدقه عليهما بطريق الاشتراك المعنوي حيث إنّ الشيء موضوعلما هو
الأعمّ من الكلّي و الجزئي و ليس ما يمنع من إرادة هذا المعنى العام في
المقام أصلا لأنّه ليس إلاّ توهّم لزوم استعمال الغاية و هو قوله حتّىتعلم
أنّه قذر في أكثر من معنى واحد و هو العلم من الأدلّة الشّرعيّة بالنّسبة
إلى الشّبهة الحكميّة و من الأمارات الخارجيّة بالنّسبة إلى
الشّبهةالموضوعيّة و هو كما ترى ضرورة عدم تعدّد العلم معنى بتعدّد الأسباب
الموجبة له فالمقصود منه في المقام هو معناه الحقيقي الوحدانيبحيث لا
يشوبه احتمال التعدّد أصلا و لزوم الفحص في الشّبهة الحكميّة مع إطلاق
الرّواية مع أنّه لا يقتضي إلاّ تقييدها بالنّسبة إليها خاصّةو نحو ذلك
ممّا يظهر دفعه بأدنى تأمّل و من التّأمّل فيما ذكرنا كلّه تعرف توجّه
المناقشة إلى ما أفاده المحقّق القميّ قدس سره وجها للحكم بعدم إمكان الجمع
بينالشّبهات الحكميّة و الموضوعيّة في الإرادة من الخبر فلا بدّ من الحكم
باختصاصه بالشّبهات الموضوعيّة لظهوره فيه حيث قال بعد جملة كلام له في
الفرقبين الاستصحاب و قاعدة الطّهارة في الشّبهات الحكميّة و قاعدة
الطّهارة في الشّبهات الموضوعيّة ما هذا لفظه إذا عرفت هذا و ظهر لك
الفرقبين المعاني عرفت أنّ المعاني متغايرة متباينة لا يجوز إرادتها جميعا
في إطلاق واحد كما حقّقنا في أوائل الكتاب و القول بأنّ كلّ شيء عام
قابللإرادة الكلّي و الجزئي و يشمل العلم بالجزئي و الكلّي فيصحّ إرادة
معنى عام يندرج فيه الكلّ فيه أنّه لا يصحّ مع تفاوت إضافة الطّهارة و
القذارةإلى الأشياء و كذلك سبب العلم إلى أن قال مع أنّ المعنى الثّالث
يساوق أصل البراءة و قد عرفت اشتراط العمل به بالفحص و البحث عن
الدّليلبخلاف المعنيين الأوّليين و الرّواية ظاهرة في النّبإ على الطّهارة
من دون الفحص إلى أن قال بعد جملة كلام له فالاستدلال به للمعنى
الثّالثغير واضح سيّما مع ملاحظة أنّ المتبادر من العلم هو اليقين الواقعي
و الغالب أنّه يحصل في الموضوع لا الحكم فإنّ العلم بالحكم الشّرعي غالبا
إنّماهو من الأدلّة الظّنية غاية الأمر كونها واجب العمل و هو لا يوجب
العلميّة الحقيقيّة إلى أن قال مع أنّ حمله على المعنى الثّالث مع ورود
قوله عليه السلام كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي و كذلك على المعنى الأوّل
مع ما ورد من الأخبار الدّالة على عدم جواز نقض اليقين بالشّك يشبه
التّأكيد بخلافإرادة المعنى الثّاني انتهى
ما أردنا نقله من كلامه و فيه أنظار لا يخفى وجهها على المتأمّل فيما
ذكرنا و قد أورد بعض المحقّقين من معاصريهعليه بإيرادات كثيرة بعضها غير
واردة كحكمه بعدم المانع من الجمع بين القاعدة و الاستصحاب على ما ستعرف من
كلامه و كحكمه بأنّ المرادمن اليقين هو الأعمّ من اليقين الشّرعي إلى غير
ذلك أمّا عدم ورود الأوّل فستعرفه مضافا إلى ما عرفته في طيّ كلماتنا
السّابقة وأمّا عدم ورود الثّاني فلأنّ الحكم بأنّ المراد من اليقين هو
الأعمّ ممّا لا يخفى فساده لأنّ نفس الظّن من حيث هو لا يكون داخلا في
موضوعالعلم و لو بعد قيام الدّليل على اعتباره و أمّا الدّليل على اعتباره
و إن كان علميّا إلاّ أنّه لا يفيد إلاّ العلم بالاعتبار فالظّن القائم
بالنّجاسةبعد فرض اعتباره لا يكون علما قطعا و إرادته ممّا يشتمل على لفظ
العلم على المعنى الحقيقي موجب لاستعمال اللّفظ في معناه الحقيقي و
المجازيمع أنّه قد يمنع من صحّة إطلاق لفظ العلم على الظّن لعدم وجود
العلاقة المصحّحة و العلم باعتباره ليس علما بالنّجاسة و بالجملة لا يعقل