بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢
يعقل معنى لإدراج الأوّل قطعا كيف و عدم الحكم ليس حكما سيّما في حقّ غير
القابل لتوجّه التّكليف إليه كالصّغير اللّهم إلاّ أن يقال إنّ مرادهمن
الحكم التّكليفي الثّابت بالعقل أعمّ من أن يتعلّق حكمه بثبوته أو بنفيه
كما ذكره في الحكم الوضعي لكنّه أيضا كما ترى ثانيها
ما جزم به منأنّ الحكم الثّابت بالعقل قد يكون وضعيّا كشرطيّة العلم
لثبوت التّكليف ضرورة أنّ الثّابت بالعقل ليس هو شرطيّة العلم بل عدم
الوجوبالفعلي عند عدم العلم نعم
ينتزع من هذا شرطيّة العلم ثمّ
إنّ هنا أمورا ينبغي التّنبيه عليها الأوّل
أنّ ما ذكره الأستاذالعلاّمة في تصحيح استصحاب البراءة الأصليّة إنّما هو
من حيث دفع توهّم عدم الفرق بينه و بين استصحاب سائر الأحكام العقليّة من
حيث جريانالاستصحاب و إلاّ فالتّحقيق عدم صحّة جريان الاستصحاب المذكور من
جهات يأتي الإشارة إليها إن شاء اللّه الثّاني
أنّ ما ذكره من الإشكال فيتحقّق الاستصحاب موضوعا في الأحكام العقليّة قد
يجري في الأحكام الشّرعيّة أيضا كالحكم الثّابت بالإجماع على غير مذهب
القدماء حيث إنّهلا يعلم به غالبا موضوع الحكم بل قد يجري في غير الإجماع
أيضا كما لا يخفى الثّالث
أنّه يمكن القول بصحّة جريان استصحاب البراءة بعد البلوغمع قطع النّظر
عمّا يرد عليه و إن قلنا بكون البراءة في حال الصّغر و عدم قابليّة التكليف
مستندة إلى حكم العقل فإنّ المفروض ثبوت البراءة بعد التّميّزو القابليّة
في الجملة بحكم الشّرع فإنّ الصّبي بعد التّميز و قبل البلوغ إنّما لا يكون
مكلّفا بحكم الشّرع لا العقل كما لا يخفى و لك أن تجعل هذا من أحدوجوه
تخصيص القوم استصحاب حال العقل بالبراءة الأصليّة مع كون بنائهم على عدم
صحّة جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة بقولمطلق و لكنّه خلاف الظّاهر
من كلامهم فإنّ الظّاهر منه إرادتهم استصحاب نفس ما ثبت بالعقل لا ما حكم
العقل به في زمان و إن زال مناطحكمه بعده لكن كان الحكم باقيا من جهة
الشّرع و هو العالم قوله
و ما ذكره من الأمثلة يظهر الحال فيها إلخ(١)
أقول
وجه الظّهور أنّ جميع الأمثلةالّتي ذكرها غير البراءة الأصليّة الّتيعرفت
حالها لا يمكن وقوع الشّك فيها أصلا فإنّ حكم العقل بقبح التّصرف في مال
الغير أو حسن ردّالوديعة الكاشف عن حكم الشّرع بالحرمة و الوجوب لا يمكن أن
يكون على سبيل الإهمال فبالنّسبة إلى الخوف و الاضطرار إمّا أن يكون لا
بشرطأو بشرط شيء و على كلّ تقدير لا يمكن فرض الشّك فيه أصلا و كذا حكمه
بشرطيّة العلم بالنّسبة إلى حالتي الإجمال و التّفصيل لا يعقل فرض
الشّكفيه فكيف يجوز للحاكم أن يحكم في مورد لا يعلم بما هو الموضوع لحكمه و
إلاّ لم يكن حاكما و من هنا ذكرنا و ذكروا أنّ الموضوع من
الوجدانيّاتللحاكم و هكذا الكلام بالنّسبة إلى حكمه بعدم الشّيء من جهة
عدم موضوعه لا يتصوّر فيه شكّ فتكثير الأمثلة و التّقسيم لا يجدي في
شيءأصلا كما لا يخفى و بالجملة لو قيل بجريان الاستصحاب في الحكم الشّرعي
المستند إلى القضيّة العقليّة فلا بدّ من أن يفرض هناك شكّ و قدعرفت عدم
وقوع الشّك في الأمثلة المذكورة أصلا بالنّظر إلى الموضوع الكلّي و إنّما
قيل بتصوّره بالنّسبة إلى الموضوع الخارجي الجزئيو سيجيء الكلام فيه في
تنبيهات المسألة إن شاء اللّه تعالى في بيان صور الشّكّ في المقتضي و الشّك في الرّافع
قوله
و تخيّل بعضهم تبعا لصاحب المعالم إلخ(٢)
أقول
الّذي يقتضيه النّظرالقاصر هو أنّ صاحب المعالم لم يتخيّل خروج ما فهمه من
كلام المحقّق عن محلّ النّزاع من التّفصيل في اعتبار الاستصحاب بين الشّك
في المقتضي والشّك في الرّافع بل إنّما تخيّل من كلام المحقّق كون مراده
تخصيص اعتبار الاستصحاب بما إذا كان الدّليل بنفسه متعرّضا لحكم الزّمان
الثّانيكتعرّضه للزّمان الأوّل كما ربما يتوهّم في بادي النّظر من ملاحظة
بعض كلماته و لهذا تخيّل كونه من المنكرين و هذا هو الّذي ظهر لي من كلام
صاحبالمعالم و قد صرّح بهذا التخيّل بعض من تبعه ممّن تأخّر عنه فافهم و
انتظر لتمام الكلام قوله
و بين ما يظهر من بعض استدلال المثبتين(٣)
أقول
أمّا استدلال المثبتين فهو قولهم إنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود و العارض
لا يصلح أن يكون رافعا إلى آخر ما سيجيء و أمّا استدلال النّافيينفهو
أنّه لو كان الاستصحاب حجّة لكانت بيّنة النّفي أولى لاعتضادها بالاستصحاب
بناء على ما استظهره الأستاذ العلاّمة من كون الشّك فيارتفاع العدم من
الشّك في الرّافع حسب ما سيجيء قوله
الثّالث من حيث إنّ الشّك في بقاء المستصحب إلى آخره(٤)
أقول
لا يخفى عليك أنّالشّك من حيث المقتضي و الرّافع على أقسام أمّا أقسام
الشّك في المقتضي فهي أنّه قد يكون الشّك في أصل الاقتضاء بمعنى الشّك في
كونه آنيّالوجود فيرجع في الأحكام إلى الشّك في الفوريّة و قد يكون في
مقداره مع القطع بثبوته في الجملة و قد يكون في انقضاء المقدار مع القطع به
وأمّا أقسام الشّك في الرّافع فهي أنّه قد يكون في وجود الرّافع إلى ما
علم بثبوت وصف الرّافعيّة و النّاقضيّة له و هذا قد يكون في
الشّبهةالحكميّة كما في الشّك في النّسخ بناء على كون استصحاب عدم النّسخ
من الاستصحاب الاصطلاحي و قد يكون في الشّبهة الموضوعيّة كما إذا شكّ
بعدالطّهارة في وجود نواقضها من البول و الغائط و الرّيح و النّوم و غير
ذلك و قد يكون في رافعيّة الموجود من حيث تردّد المستصحب بين ما
يكونالموجود رافعا له و بين ما لا يكون و قد يكون في رافعيّة الموجود من
حيث الشّك في كونه رافعا مستقلاّ في الشّرع كالمذي مع القطع بعدمكونه
مصداقا للرّافع المعلوم رافعيّته و إمّا من حيث الشّك في كونه مصداقا
للرّافع المعلوم مفهومه كالرّطوبة المردّدة بين البول و المذي