بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٥٥
في الجزء الأوّل من التّعليقة و قد بنى الأستاذ العلاّمة ثمّة على وجود
العاجز عن تحصيل العلم و الجاهل القاصر في الأصول فراجع إلىما ذكره ثمّة
حتّى تقف على حقيقة الحال في أنّه لا معنى لإلزام الكتابي بالاستصحاب بعد عدم كونها شاكين في نسخ النّبوة
قوله
ففيه أنّ الاستصحاب ليس دليلا إلخ(١)
أقول
حاصل ما ذكره أنّه يشترط في الدّليلالإلزامي أن يكون موضوعه متحقّقا في
حقّ من يلزمه حتّى يمكن إلزامه به و لا يكفي وجوده في حقّ الملزم و الأمر
في الاستصحاب في المقامليس كذلك لأنّا قاطعون بنسخ الشّريعة السّابقة
فلسنا شاكّين في بقائها حتّى يمكن إلزامنا ببقائها بمقتضى الاستصحاب و
الإلزامبنفس الموضوع أي الشّك ممّا لا يعقل له معنى لأنّ الشّك من الأمور
الوجدانيّة الغير القابلة للإلزام كالقطع و الظّن هذا حاصل مرامهو لكن قد
يقال عليه بأنّ المعنى المذكور غير مشروط في الدّليل الإلزامي و إلاّ لزم
سدّ باب الاستدلال بالدّليل الإلزامي كلّية فإنّفي كلّ مورد يستدلّ
بالدّليل الإلزامي يمكن للخصم أن يجاب بأنّه قاطع على خلافه و حجيّة كلّ
دليل مشروطة بعدم القطع بخلافه فالقاطعبخلاف دليل لا يكون الدّليل حجّة
عليه سواء كان هذا الدّليل من الأدلّة القطعيّة أو الظّنية فلا يجوز لمن لا
يقول بحجيّة أخبار الآحادأو الكتاب أو الإجماع أن يلزم بها من هو قاطع
بخلافها و إن لم يكن قطعه مستندا إلى ما يصلح للاستناد إليه فلا يصحّ أن
يلزم منيقطع بحدوث العالم زمانا بالبرهان الّذي أقاموه على قدمه بحسب
الزّمان و حدوثه بحسب الذّات و هو عدم جواز تخلّف الأثر عن المؤثرو لا أن
يلزم من يقطع بثبوت الاختيار في أفعال العباد بما أقاموه لإثبات الجبر من
الشّبهة المعروفة إلى غير ذلك فعلى هذا يصح للكتابيأن يستدلّ بالاستصحاب
فيقول إما أن تقيموا البرهان على نسخ الشّريعة السّابقة أو التزموا بها
بمقتضى الاستصحاب الّذي تدّعون أنّهحجّة و مجرّد القطع على خلافه مع عدم
استناده إلى دليل يصلح للاستناد إليه ليس بشيء فتأمّل ثمّ
إنّه لا يخفى عليك أنّه يمكنإجراء ما تقدّم من الجواب على التّقدير
الأوّل في المقام أيضا لأنّ الاعتماد على الاستصحاب في مقام العمل أو
الإلزام مشروط بالفحص فلا يبقىمورد للتّمسك به بعد فرض انفتاح باب العلم
في المسألة على ما عرفت سابقا فتدبّر قوله
و إن أراد بيان أنّ مدّعى إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك الفرق بين هذا و سابقه فإنّ المقصود من هذا مجرّد رفع كلفة
الاستدلال عن نفسه و جعل إقامة البرهان على المسلمينفليس المقصود منه إلاّ
مجرّد ذلك و هذا بخلاف سابقه فإنّ المقصود منه هو الاستدلال به على بقاء
الشّريعة السّابقة على المسلمينالقائلين باعتبار الاستصحاب هذا و لكن لا
يخفى عليك أنّه ليس للكتابي دفع كلفة الاستدلال عن نفسه بالاستصحاب إلاّ
بعد إثباتهلحجيّة الاستصحاب أو ابتناء ما ذكره على إلزام المسلمين و هذا
غير ما ذكره دام ظلّه في الجواب عنه بأنّ مدّعي البقاء أيضا يحتاج
إلىالاستدلال كمدّعي الارتفاع و إن كان ما ذكره أيضا صحيحا فإنّه لا إشكال
في احتياج مدّعي البقاء إلى الاستدلال و لو كان هوالتّمسّك بالأصل الثّابت
اعتباره قوله
الثّاني أنّ اعتبار الاستصحاب إلخ(٣)
أقول
قد عرفت سابقا الكلام في صحّة استدلالالكتابي بالاستصحاب من باب الأخبار
من باب الإلزام على المسلمين و أنّ الأستاذ العلاّمة دام ظلّه قد منع منه
من حيث إنّه يشترطفي الدّليل الإلزامي أن لا يكون مقتضى الإلزام به بطلان
مدّعى المستدل و أنّه لا يخلو عن نظر و إشكال فراجع إلى ما ذكرناه سابقا قوله
نعم لو ثبت ذلك من شريعتهم أمكن التّمسك إلخ(٤)
أقول
قد يورد عليه بلزوم الدّور فإنّ إثبات عدم منسوخيّة الاستصحاب و غيرهمن
الأحكام الثّابتة في شرعهم يتوقّف على اعتبار الاستصحاب و اعتبار الاستصحاب
أيضا يتوقّف على إثبات عدم منسوخيّتهاللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ أصالة عدم
النّسخ بعد ثبوت الحكم لا يتوقّف على اعتبار الاستصحاب بل هي من الأصول
الّتي قد جرت بناء العقلاءو أهل كلّ نحلة و دين على العمل بها من حيث الظّن
و الظّهور فلا يتوقّف إثبات اعتبارها على إثبات اعتبار الاستصحاب حتّى
يلزم الدّورو لكنّك خبير بأنّ هذا خروج عن الفرض فإنّ مفروض الكلام التّمسك
في إثبات عدم نسخ النّبوة و الأحكام الثّابتة في شريعة النّبيبالاستصحاب
المبني على الأخبار و إلاّ لجرى مثل ما ذكر في الحكم بعدم منسوخيّة النّبوة
أيضا فأين يبقى مجال للتّمسّك بالاستصحابمن باب الأخبار و الحاصل أنّ ما
ذكر من الجواب على خلاف الفرض هذا مضافا إلى أنّ هنا شيء آخر قد أشار إليه
دام ظلّه فيطيّ كلماته السّابقة و التزم به و هو أنّ بقاء الحكم و
ارتفاعه تابع لبقاء النّبوة و ارتفاعها فإذا لم يمكن إثبات بقائها فلا يجوز
الحكمببقائه فتدبّر
و لكن يمكن أن يقال بأنّ ما ذكر من الاستدراك مبنيّ على أنّه بعد ثبوت
اعتبار الاستصحاب في الشّريعتين يكونحجّة قطعيّة على كلّ تقدير سواء نسخت
الشّريعة السّابقة أم لا فلا يحتاج في إثبات اعتباره إذا إلى التّمسّك
بالاستصحاب حتّى يلزمإثبات اعتبار الاستصحاب بالاستصحاب هذا و لكن قد يقال
عليه أيضا بأنّ العلم بعدم نسخ الاستصحاب على تقدير نسخ الأحكام و
الشّريعةالسّابقة أيضا لفرض العلم بثبوته في كلّ من الشّريعتين لا يسوغ
التّمسك به في إثبات الشّريعة السّابقة فإنّ ثبوته في الشّريعة اللاحقة