بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٥
يقضي بخلافه لا من الوجه الثّاني لأنّهم بنوا على عدم وجوب الاحتياط فيه من جهة قيام الدّليل على عدم الوجوب فيه قوله
و الأصل في ذلك عندهم إلى آخره(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّ الأصل في الشّبهة الحكميّة عند الأخباريّة ليس هو
الاحتياط مطلقا لأنّ بناء أكثرهم على عدم وجوب الاحتياط في الشبهةالوجوبيّة
من الحكميّة نعم
يظهر من بعضهم الحكم بوجوب الاحتياط فيها أيضا و قد صرّح بما ذكرنا الأستاذ دام ظلّه في الجزء الثّاني منالكتاب فراجع إليه قوله
و مثّل للأوّل بنجاسة الثّوب إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّ تمثيله للحكم الشّرعي بخصوص نجاسة الثّوب الّتي
ليستعندنا بحكم شرعيّ حقيقة إنما هو من جهة الإشارة إلى كون المقصود من
الحكم الشّرعي هو الأعمّ ممّا يكون من شأن الشّارع بيانه أولا لأنّ
إطلاقالحكم الشّرعي على الأوّل ممّا لا يتوهّم فيه الإنكار و لهذا خصّ
المثال بالثّاني قوله
و إنما لم ندرج هذا التّقسيم في التّقسيم الثّاني إلخ(٣)
أقول
أراد بذلك بيان نكتة انفراد هذا التقسيم مع إمكان اندراجه في التّقسيم
الثّاني لأنّه تقسيم لأحد قسميه فلا يرد عليه أنّ الحكم الوضعي بهذاالإطلاق
و إن لم يكن داخلا في الحكم الشّرعي إلاّ أنّه داخل في غيره الّذي هو أحد
القسمين في التّقسيم الثّاني فلم لم يندرجه فيه بتقسيم الغير إلى الأسبابو
الشّروط و غيرهما توضيح عدم الورود أنّه ليس المقصود ممّا ذكر عدم إمكان
الاندراج حتى يورد عليه بما ذكر بل المقصود منه الإشارة إلى أنّ
التّخصيصبالذّكر إنما هو من جهة فائدة و إن كانت هي التّنبيه على مطلب
المفصّل على وجه التّفصيل هذا مضافا إلى أنّه ليس مفصّلا بين أقسام غير
الحكمالشّرعي في اعتبار الاستصحاب فتأمّل قوله
و قد فصّل بين هذين القسمين الغزّالي إلخ(٤)
أقول
يمكن أن يقال إنّ مراد الغزّالي من حال الإجماع وكذا مراد صاحب الحدائق هو
حال كلّ دليل يكون مثل الإجماع في سكوته عن الزّمان الثّاني سواء كان من
الأدلّة اللّفظيّة أو اللّبيّة و سواء كانعلى التّقدير الأوّل من جهة
إجمال اللّفظ أو إطلاقه مع عدم كونه مقصود المتكلّم و كونه في صدد بيانه
فيكون على هذا الغزّالي من المنكرين مطلقا لأنّهإذا كان للدّليل إطلاق أو
عموم بالنّسبة إلى الزّمان الثّاني لم يكن إثبات الحكم فيه من جهة التّمسك
بالاستصحاب قطعا بل من جهة التّمسّكبالدّليل كما لا يخفى اللّهمّ إلاّ أن
يبنى على التّسامح و يسمّى التّمسّك بالعموم و الإطلاق من التمسّك
بالاستصحاب كما بنوا عليه في كلماتهم حيث إنّهم قسّموا الاستصحاب إلى حال
العموم و الإطلاق و غيرهما فراجع و تأمّل و انتظر لتمام الكلام فيما سيجيء في أنّه لا يعقل استصحاب الأحكام العقليّة
قوله
إلاّ أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوتالحكم بالدّليل العقلي إلخ(٥)
أقول
ظاهر هذا الكلام بل صريحه يعطي كون الكلام في الحكم الشّرعي المتوصّل إليه
من الحكم العقلي بقاعدة التّلازملا في نفس الحكم العقلي و لا بدّ أن يكون
هذا أيضا هو مراد من توهّم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي لأنّ
الاستصحاب في نفس الأحكام العقليّةممّا لا يتعقّل له معنى قطعا لأنّ الشّك
في الحكم للحاكم ممّا لا يتعقّل أصلا فهو في الزّمان الثّاني إمّا أن يحكم
كما حكم به في الزّمان الأوّل أو لا تحكمو على الثّاني يقطع بعدم وجود
الحكم في الزّمان الثّاني لأنّ عدم حكمه يكفي في القطع بعدم حصول إنشاء
الحكم منه و هذا نظير استصحاب نفس الإجماعفي مورد الخلاف فإنّه من غير
المعقولات البديهيّة و إجراء الاستصحاب في الحكم الشّرعي المستند إلى الحكم
العقلي و إن كان لا معنى أيضا له حسب ماستقف عليه إلاّ أنّه ممّا يمكن أن
يتوهّم جريان الاستصحاب فيه من حيث إنّ حكم العقل إنما صار دليلا على وجود
الحكم الشرعي و حدوثه بطريق اللّم فلامانع من الحكم ببقائه في صورة عدم
وجود الدّليل على انتفائه من جهة الاستصحاب كما في استصحاب الحكم الثّابت
من الإجماع و من هنا كان ظاهرهمجريان الاستصحاب فيه أيضا كما عرفته من
الشّيخ كاشف الغطاء و من هنا قال شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه و لم نجد
من فصّل بينهما هذا مضافاإلى أنّ استصحاب الحكم العقلي ممّا لا ينفع في
ترتيب الحكم الشّرعي إلاّ على تقدير كون الملازمة بين الحكمين شرعيّة لا
عقليّة فتأمّل ثمّ
إنّالكلام في المقام حسب ما صرّح به الأستاذ العلاّمة ليس في اعتبار
الاستصحاب في الأحكام العقليّة بعد تحقّق موضوعه بل إنما الكلام في أصل
تحقّقموضوعه فنقول
إنّه لا إشكال و لا ريب في أنّه يشترط في تحقّق موضوع الاستصحاب و صدقه
كون القضيّة المشكوكة عين القضيّة المتيقّنةمن جميع الجهات المأخوذة فيه
إلاّ أنّ الفرق بينهما كون المحمول في القضيّة المتيقّنة متيقّن الثّبوت
للموضوع المفروض فيها و في القضيّة المشكوكةمشكوك الثّبوت بحيث يصدق على
الحكم بالمحمول في القضيّة المشكوكة أنّه إبقاء للحكم و إثبات له في موضوعه
الأوّلي على ما هو معنى الاستصحابحسب ما عرفت تفصيل القول فيه سابقا
فالاستصحاب لا يصدق أبدا إلاّ على تقدير كون الشّك في الزّمان الثّاني
متعلّقا ببقاء المحمول مع القطعبوجود الموضوع و من المعلوم ضرورة عند ذوي
الأفهام المستقيمة و العقول الكاملة أنّ القضايا العقليّة كلّها مبيّنة و
مفصّلة لا يمكنعروض الشّك فيها من حيث المحمول أبدا لأنّ العقل لا يحكم
بشيء إلاّ بعد الإحاطة بجميع ما له دخل في وجوده من الأعدام و الوجودات
المقتضيةله اقتضاء العلّية التّامة الّتي يمتنع انفكاك المعلول عنها و إلاّ
لا يعقل له الحكم به لأنّ احتمال مدخليّة شيء فيه مع عدم إحرازه يوجب
الشّكفي علّة وجوده فلا يمكن معه القطع بالمعلول لأنّ الشّك في العلّة لا
ينفكّ عن الشّك في المعلول عقلا لأنّه قضيّة العلّية و هذا الّذيذكرنا لا
يختصّ بالقضايا العقليّة الّتي يكون الحاكم فيها العقل بل يجري في جميع
القضايا من الشّرعيّة و العرفيّة و غيرهما بالنّسبة إلى الحاكم فيها