بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٠٣
لم يترتب فيه على نفس الشّك بل على عنوان موجود في صورة الشّك أيضا و هذا
بخلاف المقام فإنّ الحكم فيه مترتّب على نفس الشّك وعدم العلم و لا نعني
بالحكم الظّاهري إلاّ هذا المعنى مع أنّه لو سلّم كون الحرمة و النّجاسة في
صورة الشّك واقعيّا لم ينفع الخصم أيضافي الحكم بالطّهارة و الحليّة في
اللّحم المشكوك بل يدلّ على خلاف مدّعاه كما لا يخفى هذا و لكن من المعلوم
أيضا دلالة جملة من الآياتو الأخبار على ترتب الحرمة و النّجاسة على
الميتة كما في آية قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما الآية و قوله تعالى حرّمت عليكم الميتة و الدّم
الآية إلى غير ذلك و الرّوايات الدّالّة عليه كثيرة مثل ما ورد في عدم
جواز الصّلاة في شيء من الميتة و في جلده و إن دبّغ سبعين مرّةو في بعض
الأخبار تعليل الحكم بحرمة الطّعام الّذي مات فيه فأرة بأنّ اللّه حرّم
الميتة من كلّ شيء فنقول
إنّ هذه لا تنافي ما ذكرنالأنّ الميتة عبارة عند الشارع عن كلّ ما خرج
روحه بغير التّذكية و ليس عند الشارع واسطة بين المذكّى و الميتة بأن يكون
الميتة خصوصما خرج روحه بحتف الأنف و إلاّ لكانت النّجاسات زائدة على ما
عدّوها و يدلّ على ما ذكرنا كثير من الأخبار النّاطقة بأنّ القطعة
المبانةمن الحيّ ميتة و غير ذلك ممّا ورد في غيره و من أقوى ما يشهد لما
ذكرناه وقوع التّعبير في جملة من الآيات و الأخبار عن معروض الحرمةبغير
المذكّى و في جملة بالميتة لا يقال
إنّ عدم الواسطة بين المذكّى و الميتة لا يثبت كون الميتة غير المذكّى
حتّى يكون على وفقالأصل لم لا يكونا من الضّدّين لا ثالث لهما لأنّا نقول
هذا الكلام ممّا لا يرضى به اللّبيب لأنّ العنوان الجامع لجميع أقسامخروج
الرّوح بغير التّذكية ليس إلاّ نفس هذا القيد و ليس هنا شيء آخر يجعل
ميزانا للفرق بين المذكّى و الميتة فتدبّر
في بقيّة الكلام فيما يتعلّق بأصالة عدم التّذكية
و ممّاذكرنا كلّه ظهر فساد ما ذكره دام ظلّه في الجزء الثّاني من الكتاب و
ما ربما يظهر من هذا الجزء أيضا من الجواب عن المعارضة المذكورةتارة بأنّ
الحكم لم يترتّب على الميتة في الشّريعة بل على غير المذكّى و أخرى بتسليم
ترتّب الحكم عليها و دعوى كونها عبارة عن غير المذكّى ضرورةأنّ الجواب
الآخر لا يتمّ إلاّ بضميمة الجواب الأوّل كما عرفت منّا إذ إنكار ترتّب
الحكم في الشّريعة على الميتة مكابرة محضة و دعوى أنّالجواب الأوّل مبنيّ
على ما يراه الخصم من كون الميتة أمرا وجوديّا لم يؤخذ فيه عدم التّذكية
أصلا بل هي خصوص الموت حتف الأنف ممّالا يجدي في نفي ما هو المشاهد بالعيان
من تعليق الأحكام على الميتة أيضا ثانيهما
أن يقال إنّ الميتة عبارة عن كلّ ما زهقروحه فيشمل المذكّى و غيره إلاّ
أنّه خرج المذكّى عنه و حكم بحليّته و طهارته فالمذكّى و إن كان ميتة واقعا
إلاّ أنّه خارج عنهاحكما و حينئذ إذا شكّ في تحقّق عنوان المخصّص فيرجع
إلى العام و يحكم بترتّب أحكام الميتة و إن كان مرجع الشّك إلى الشّك في
المصداقإذ قد عرفت غير مرّة أنّه إنّما يحكم بالإجمال و لا يرجع إلى حكم
العموم في الشّك في المصداق فيما لم يكن هناك أصل موضوعي يثبت عدموجود
المخصّص و لا إشكال في وجوده في المقام لأنّ عدم تحقّق التّذكية موافق
للأصل فتدبّر
و لا يتوهّم أنّ هذا يرجع إلىالتّمسك بالعموم فلا دخل له بالاستصحاب
لأنّك قد عرفت أنّ التّمسك بالعموم فيه إنّما هو بمعونة الاستصحاب بل قد
يقال بأنّالمستند حقيقة هو الاستصحاب ليس إلاّ لأنّ الشّك في الحكم بمقتضى
الفرض إنّما هو من جهة الشّك في المصداق فحكم الشارع بعدمالاعتناء بالشّك
فيه و البناء على عدم وجود المخصّص هو الالتزام بحكم العموم بمقتضى
الاستصحاب بل التّحقيق عدم إمكان جعلالاستصحاب ضميمة للتّمسك بالعموم كما
هو ظاهر و لكنّك خبير بأنّ الوجه الأوّل أوجه من الثّاني فتبيّن ممّا ذكرنا
كلّه فساد قياسالاستصحاب في مشكوك التّذكية على استصحاب الضّاحك الموجود
في ضمن زيد لإثبات وجود عمرو في الدّار بعد خروج زيد عنالدّار هذا ملخّص
ما أفاده دام ظلّه في بيان الفرق و لكن مع ذلك لا بدّ من التّكلّم في بعض
فقرات كلامه لعدم تبيّن وضوحالمراد منه قوله
دام ظلّه ثمّ إنّ الموضوع للحلّ و الطّهارة إلخ(١)
أقول
أراد بذلك دفع ما ربما يتوهّمه المتعسّف الخالي عن التّأمّلمن استلزام
الرّجوع إلى أصالة عدم التّذكية التّعويل على الأصل المثبت لأنّ المقصود
إثبات الحرمة و النّجاسة في اللّحم فإثباتهمالا يمكن إلاّ بإثبات كونه غير
مذكّى باستصحاب عدم التّذكية و هو معنى الأصل المثبت و حاصل ما ذكره في
دفعه ما عرفته في طيّكلماتنا السّابقة من أنّ أصالة عدم التّذكية إنّما
يجري في نفس اللّحم المشكوك و معنى عدم تذكيته هو كونه غير مذكّى فليس
هناواسطة تثبت باستصحاب عدم التّذكية حتّى يلزم التّعويل على الأصل المثبت
كما لا يخفى قوله
دام ظلّه أشكل إثبات الموضوعبمجرّد أصالة إلخ(٢)
أقول
لا يخفى أنّ المتعيّن أن يقول دام ظلّه بدل قوله أشكل لم يجز لأنّ عدم اعتبار أصل المثبت عنده ممّالا شكّ فيه قوله
دام ظلّه فبقي أصالة عدم حدوث سبب نجاسة اللّحم إلخ(٣)
أقول
لا يخفى عليك عدم بقاء الأصل المذكور سليماعن المعارض لأنّه بعد العلم
الإجمالي بعدم كون الحكم في اللّحم خارجا عن الحليّة و الطّهارة و الحرمة و
النّجاسة يعارض الأصل المذكور