من قصة الديانات والرسل - فوزي آل سيف - الصفحة ١٢٩ - ما طبيعة صحف إبراهيم؟
يحاسب فيها نفسه فيما قدّم وأخّر، ساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب،
٣/ وعلى العاقل ألّا يكون ظاعنًا إلا في ثلاث: تزود لمعادٍ، أو مرمة لمعاشٍ، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه..
قلت: يا رسول الله، فهل في الدنيا شيءٌ مما كان في صحف إبراهيم وموسى ٨ مما أنزل الله عليك؟ قال: اقرأ يا أبا ذر(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إبراهيم وَمُوسَى).[١]
وهذه الرواية تستحق وقفات كثيرة، لكننا نجملها في الآتي:
١/ أن أبا ذر الغفاري وخلافًا للصورة التي يصورها عنه كتاب التاريخ الأموي والرسمي، في المسلمين من أنه كان شخصية فوضوية عنيفة، لكي يدافعوا بذلك عن معاوية بن أبي سفيان وربما عن مواقف الخليفة عثمان.. يظهر بصورة عالمٍ دقيقِ النظر وساعٍ وراء المعرفة من رسول الله ٦ ذلك أن سؤال المرء هو ترجمان عقله، وأسئلة أبي ذر تلك تنبي عن عقله ومعرفته.[٢]
[١] الأعلى: ١٤-١٩
[٢] بعض ما جاء في تلك الوصية ينبيك عن هذا المعنى المتقدم.. ثم استوصاه واستزاده من الوصية فقال: قال::"أوصيك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله". قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "أحب المساكين وجالسهم".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عليك".
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "قل الحق وإن كان مراً"
قلت: يا رسول الله، زدني.
قال: "ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى بك عيباً أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتي".
ثم ضرب بيده على صدري فقال: يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق".