الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٨١ - تبصرة معرفة الله
و في كلام الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الباقر ٧ إشارة الى هذا المعنى حيث قال: «كلّ ما ميزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم. و لعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للّه تعالى زبانيتين فإنّ ذلك كمالها. و تتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما. و هكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به». انتهى كلامه صلوات اللّه عليه و آله.
قال بعض المحقّقين: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق و مورد التدقيق، و السرّ في ذلك أنّ التكليف إنّما يتوقّف على معرفة اللّه تعالى بحسب الوسع و الطاقة، و إنّما كلّفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها و شاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم.
و لمّا كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيّا متكلّما سميعا بصيرا كلّف بأن يعتقد تلك الصفات في حقّه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها الى الإنسان بأن يعتقد أنّه تعالى واجب لذاته لا بغيره، عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، و هكذا في سائر الصفات، و لم يكلّف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها و مناسبها بوجه. و لو كلّف به لما أمكن تعلّقه بالحقيقة. و هذا أحد معاني قوله ٧: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» إنتهى كلامه.
و اعلم انّ تلك المعرفة التي يمكن أن يصل اليها أفهام البشر لها مراتب متخالفة و درج متفاوتة. قال المحقّق الطوسي طاب ثراه في بعض مصنّفاته: إنّ مراتبها مثل مراتب معرفة النار مثلا فإنّ أدناها من سمع أنّ في الوجود شيئا يعدم كلّ شيء يلاقيه، و يظهر أثره في كلّ شيء يحاذيه، و أي شيء اخذ منه لم ينقص منه شيء و يسمّى ذلك الموجود نارا. و نظير هذه