الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٢٨١ - بيان حال في تشبيه حال أهل الدنيا بشخص مدلى في بئر
و اللعب و الفرح بإقبال الدنيا و الحزن بإدبارها هو بعينه حالنا و حال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضا، نعوذ باللّه من الغفلة و سوء المنقلب.
و ما أحسن ما نقله الشيخ الصدوق محمد بن بابويه رحمه اللّه في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة[١] عن بعض الحكماء في تشبيه حال الإنسان و اغتراره بالدنيا و غفلته عن الموت و ما بعده من الأهوال و إنهما كه في اللذات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات بشخص مدلّى في بئر، مشدود وسطه بحبل، و في أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجّه إليه منتظر سقوطه فاتح فاه لإلتقامه، و في أعلى ذلك البئر جرذان أبيض و أسود لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا و لا يفتران عن قرضه آنا من الآنات، و ذلك الشخص مع أنّه يرى ذلك الثعبان و يشاهد انقراض الحبل آنا فآنا قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر و امتزج بترابه و اجتمع عليه زنابير كثيرة، و هو مشغول بلطعه، منهمك فيه، ملتذّ بما أصاب منه، مخاصم لتلك الزنابير عليه، قد صرف باله بأجمعه الى ذلك غير ملتفت الى ما فوقه و ما تحته.
فالبئر هو الدنيا، و الحبل هو العمر، و الثعبان الفاتح فاه هو الموت، و الجرذان:[٢] الليل و النهار القارضان للأعمار، و العسل المختلط بالتراب هو لذّات الدنيا الممتزجة بالكدورات و الآلام، و الزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها.
و لعمري انّ هذا المثل من أشدّ الأمثال إنطباقا على الممثّل له. نسأل اللّه البصيرة و الهداية و نعوذ به من الغفلة و الغواية.
[١] كمال الدين: ج ٢ ص ٥٩٣.
[٢] في( ع): و الجرذان هو.