الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ١٨٣ - بيان ما لعله يحتاج الى البيان في هذا الحديث
كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ[١] من أنّه بتأويل أردنا إهلاكها، أو على ما ذكره بعض المحقّقين من النحاة من أنّ التعقيب في الفاء على نوعين: حقيقي معنوي نحو: جاء زيد فعمر، و مجازي ذكري و هو عطف مفصّل على مجمل كقوله تعالى: وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي[٢] و نحو قولك: توضّأت فغسلت وجهي و يديّ و مسحت رأسي و رجلي، فانّ التفصيل حقّه أن يتعقّب الإجمال.
إنّه قد أقبل إليكم شهر اللّه: تأكيد الحكم ب «انّ» مع أنّ قرب شهر رمضان ممّا لا ينكره المخاطب و لا يتردّد فيه لعلّه من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بجعل غير المنكر كالمنكر إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار، كقوله: «إنّ بني عمّك فيهم رماح» فالمخاطبون كأنّهم لمّا لم يستعدّوا و لم يتهيّأوا لدخوله بالخروج من المظالم و التبعات و تهيئة الأقوات لتفطير الصائمين و الصدقات و لم يحصل لهم الفرح و الاستبشار بإقبال هذا الشهر العظيم الذي يغفر فيه الخطيئات و تستجاب فيه الدعوات جعلوا كأنّهم منكرون لإقباله عليهم فخوطبوا خطاب المنكر، مع المبالغة في التأكيد بالإبهام بضمير الشأن ثمّ التفسير بقد التحقيقية.
و لا يبعد كون التأكيد جاريا على مقتضى الظاهر نظرا الى أنّ الحكم ليس مجرّد إقبال الشهر، بل هو إقباله مصاحبا للبركة و الرحمة و المغفرة.
و لعلّ هذا الحكم المقيّد ممّا يشكّ فيه بعض الحاضرين أو ينكره بعض المنافقين فخطابهم جميعا بالحكم المؤكّد من قبيل تغليب المتّصف بأمر على غير المتّصف به.
و إسناد الإقبال الى الشهر مجاز عقلي. و لك أن تجعل التجوّز في الطرف لا في النسبة، إمّا في المسند بجعل الإقبال مجازا عن القرب أو في
[١] الأعراف: ٤.
[٢] هود: ٤٥.