الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٢٢٤ - تبصرة في صحة اطلاق الرزق على الحرام
سلامته اخرى بأنّ سياق الكلام يقتضي أن يقال: فاخترت ما حرّم اللّه عليك من حرامه مكان ما أحلّ اللّه لك من حلاله، و إنّما قال ٦: «من رزقه» مكان «من حرامه» فأطلق على الحرام اسم الرزق لمشاكلة قوله: «فلا أراني ارزق» و قوله ٦: «لقد رزقك اللّه» و هذا كما يقوله من يخصّ الثناء باللسان في قوله ٦: «لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»[١] أنّه من باب المشاكلة لقوله ٦: «ثناء عليك» أنّ المراد «كما وصفت نفسك».
و المشاكلة و ان كانت نوعا من المجاز إلّا أنّها من المحسّنات المعنوية الكثيرة الورود في القرآن و الحديث الفاشية في نظم البلغاء و نثرهم، فليس الحمل عليها ببعيد ليرتفع التعاند من البين و يزول التنافي بين الحديثين.
و تمسّك المعتزلة أيضا بقوله تعالى: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ[٢].
و قال الشيخ الجليل الطوسي في تفسيره الموسوم بالتبيان[٣] ما حاصله: إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الحرام ليس رزقا، لأنّه سبحانه مدحهم بانفاق الرزق، و الانفاق من الحرام لا يوجب المدح. و قد يقال أنّ تقديم الظرف يفيد الحصر، و هو يقتضي كون المال المنفق على ضربين: ما رزقه اللّه و ما لم يرزقه، و أنّ المدح إنّما هو على الانفاق ممّا رزقهم اللّه و هو الحلال، لا ممّا سوّلت لهم أنفسهم من الحرام، و لو كان كلّ ما ينفقونه رزقا من اللّه سبحانه لم يستقم الحصر، فتأمّل[٤].
[١] سنن ابن ماجه: ج ١ ص ١٢٦٣ كتاب الدعاء.
[٢] البقرة: ٣.
[٣] التبيان: ج ١ ص ٥٧.
[٤] وجه التّأمّل: أنّ التقديم لا ينحصر في أن يكون للحصر فقط، إذ يمكن أن يكون هاهنا للسجع. و أيضا انّما استفيد من هذا كون الحلال رزقا لأنّ الحرام ليس برزق مع أنّه المبحوث عنه و أيضا يمكن أن يكون« من» في قوله تعالى مِمَّا رَزَقْناهُمْ للتبعيض.